لم تأتِ أبداً

أرسل لصديقك طباعة



مزهر بن مدلول

هذه ليست قصة حقيقية، وليس وهماً.. كما إنها ليس ضياعاً ولاجنوناً.. هذه ليست هذيانات باقية من ميراث قلق ومهزوم، وليس حضورا طاغيا لأيام صعبة في ليلة قاتلة الوحشة..
لاتظنوا إنها تعبيرعن خيبة في المشاعر، ولا مجرد رغبة في العودة للذاكرة، على الرغم من ان الذاكرة دائما تخترق الأزمنة وتسقط فجأة في الرأس..
إنها ليست إعادة إعتبار للمنسيات.. ولا رجفة حنين الى دمعة العشق الاولى.. وليس حالة من حالات الانقضاض على النفس..
لا، لم تكن كذلك! ولا تشبه شيئا مما ذكرتُ!. ورغم الخواء العاطفي، لكنها خالية تماما من ايّ تأمل فلسفي..
ولهذا لن اضع السؤال عن ماذا تكون!..
لأني لاأعرف أيّ اسم لها، ولم أعثر على موقع الألم فيها.. لاأعرف أيّاً من أعضاء الغزال كان ينزف، ومن ايٍّ المسارب كان ينفجر الضحك..
وربما كنتُ أعرف، ولكني في هذه اللحظة لاأعي بالضبط ماذا أعرف، والحقيقة، لم تكن لي رغبة في ان أجمع شتاتها لكي أعرف، لأن القضية بكل تفاصيلها، لاتستحق مني ان أضع نفسي على المحك، وأرمي بها من قمة ساذجة لجبل مستبد..
هذا ليس شعورمزيف بالكبرياء المبتذل، ولا خلل في ذهني، الذي عبثتْ به وضللتهُ الاقدار المهولة، في عالم كان ومازال في ذروة الصمم..
لا، أبداً.. بل هي أني، وببساطة ريفية، لاأريد ان أقتفي آثار أقدام هاربة وسط عاصفة رملية وفي مكان ساخن منذ الازل..
فهذا المكان كما تعلمون، سرمديٌ في جدبه الأصفر، وفي قيامته التي تلفح العمر بلهيبها.. دوامة من الأعاصير هي حياتنا.. نفق ممتد وطويل من الغياب، يملأه الغموض والتعاسة..
لقد كنا جالسين على حافة النهر، بينما الموجة تمر.. ذلك كان منذ زمن بعيد، بعيد جدا، منذ الخطيئة الاولى، أو منذ أن اشتعلتْ الحروب الاولى بين البشر والآلهة..
كنا محشورين في كهف إفلاطوني شديد الظلام، رؤوسنا تتدلى من اجسادنا، تداعتْ فيها كل كواكب السماء وبربرية الارض، تلاحقنا صرخات الوجع والجوع، صرخات الأب المتسلط، التي لاحقتْ ديستوفسكي حتى في إحلامه..
ولكن مع ذلك، ورغم هذا الجحيم المستعر، والزمن مذبوح يجرونهُ بالسلاسل، فقد كنا مغروسين في الارض كالجذور.. كالأرواح التي تغادر القبور بعد منتصف الليل بحثا عن أوقات هادئة، فينفجر الضوء في ألأحشاء، وتنهمر الأحلام في العيون الصافية..
أشعرُ بالتعب.. اخترقتني نوبة الخروج عن المنطق.. جوفي يصرخُ من العطش، وكنتُ أتدحرج مثل حجارة تنزلق على حافة حادة..
أنا الان أسندُ ظهري الى جدار طيني، خلفتْهُ حضارة الرمل التي إنقرضتْ، أملكُ الجهات كلها، وأملكُ الريحَ والمطر، وأمامي لوحة مرسومة بألوان مائية باهتة، ومن نافذة الفضاء الواسع تطلُّ اشعة الغروب الحمراء وبعض الأحلام الميتة..
هنا..
وفي هذه الساعة من ساعات الغسق، وفي المكان الذي أنكمشُ فيه، واطوقُ إحتضاري، كنتُ أتأمل كأسَ الكحول الذي غرق فيه بودلير ليلة مخاض الروح..
مشهد تراجيدي، يجعلك تخرج من دائرة الليل والنهار، فتصاب بدوار الغيبية المباغتة.. بينما الاقنعة تسقط واحدة بعد اخرى، وترتفع على أنقاضها غيبيات جديدة لاتقل قسوة في غموضها وفلّ شباكها!..
هنا..
وفي هذا الركن على وجه الضبط، أطلقتُ وابلاً من رصاصات دهشتي، ايقظتُ الفتنة النائمة.. الرماد الذي ينتشر في داخلي.. صرخة الفزع وعويل السنين التي تركتْ آثارها محفورة على وجهي ..
سمتْ روحي.. حلّقتْ عالياً في فضاء من الضوء, وكأنها في مكان للصلاة.. صورة المراة دائمة الحضور، جعلتني في غمرة المكان والأنبهار، ساهماً شارد اللب..
حضرالغائبون كلهم، جاءوا من كوكب العري والفضائح.. حاولوا ترويض شياطيني.. تجفيف الدمعة التي فتَّتْ الحجر..
لكن الممثلين يجيدون التهريج في مسرحية فاشلة، والمرأة ذات الوجه السماوي والعينين المنطفأتين والتي انتظرتها طويلا، لم تأتِ أبداً..
 








زوار الموقع

mod_vvisit_counterاليوم442
mod_vvisit_counterأمس2144
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع2586
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي12614
mod_vvisit_counterهذا الشهر11591
mod_vvisit_counterالشهر الماضي51059
mod_vvisit_counterالجميع393375

المتواجدون الان : 27
تاريخ اليوم: 07 سبتمبر, 2010

اعلانات,بيانات,مواعيد