المبدعــون والمنفـى

أرسل لصديقك طباعة
إبراهيم عودة الكناني



لا شك من ان المبدعين في شتى مجالات الحياة، في الأدب والثقافة والشعر، في الفن والرياضة والموسيقى، في السياسة ومختلف العلوم.. هم هويات أوطانهم في كل زمان ومكان.. وبالتالي هم بناة حياة.

ومع دموية التاريخ العراقي المعاصر، من احتلال عثماني الى بريطاني وبقية العهود وما صاحبتها من انقلابات عسكرية ومؤامرات وحروب وهزائم ودكتاتوريات، حتى ان قبائل اكلت قبائل كما يقول شاعر الحب نزار قباني. اقول مع قسوة كل تلك الظروف وما خلفته من تراكمات سلبية على الحياة العامة من جهل وجوع وحرمان وموت، ومن رحم تلك المعاناة.. ولد الكثير من المبدعين حتى أصبحوا منارات امل للحياة وبخاصة في مجالات الادب والفن والرياضة.

الا ان الظروف السياسية المعقدة، ورداءة الحكام الذين تعاقبوا على حكم العراق حيث لم يكونوا من عشاق الابداع، لانهم لم يكونوا حكماء او شعراء او فلاسفة، ثمة هوة تفصل ما بين السياسي الحاكم وما بين المبدع المعارض في ثقافته وافكاره وفلسفتة ونظرته للحياة، نشأ الصراع.. فهاجر الكثير منهم خارج جغرافية الوطن ومنهم من قضى شطرا من حياته في السجون والمعتقلات، ومنهم من كانت المنافي وطنا لهم حتى مات الكثير منهم، غرباء منسيون، ودفنوا هناك بعيدا عن الوطن. (تماما كالكاظمي والسياب والجواهري والبياتي والملائكة وغيرهم) ومن المؤسف حقا، وبين الحين والأخر، نسمع او نقرأ (التايتلات) وعبر فضائيات خاصة (غير حكومية) من ان نجما عراقيا قد هوى، وان مبدعا قد مات او قتل، او ان رائدا في الفكر او الشعر او الفلسفة او الفن او الرياضة او السياسة، قد انتزعت منه سنوات الغربة والترحال (عاش بلا وطن منفيا لأخر حد) كل عنفوان شبابه وطرحته الايام نزيل احدى المستشفيات بعيدا عن الأهل والأحبة، ودونما اهتمام من احد (اقصد المسؤولين).

قد يموت هذا المبدع او ذاك، وقد يوارى جثمانه في مقبرة الغرباء المعروفة، كما حصل للكثير من أعلامنا.. وقد يعاق او يشل، وقد ترميه الايام على قارعة طريق مجهولة لا يملك من الدنيا سوى حطامها، كذلك دونما اهتمام من مسؤول حكومة او وزارة او اتحاد.. هكذا يهان مبدعينا..!!

تلك القامات العملاقة والتي أعطت دون ان تأخذ، وسهرت دون ان تنام، وتعذبت دون ان ترتاح لم يكن هدفها سوى الحرية.. ذلك لان الحرية لا تمنح وانما يجب الظفر بها عن طريق الكفاح.

هؤلاء المبدعون... هم هوية الوطن، وهم التاريخ.. والتاريخ لا يصنعه او يكتبه ألا العظماء. الا أنهم منسيون..!

لا اعرف كيف استرسل في مقالي هذا (وبي وجع يلازمني ويقطع للفنا عمرا) كما تقول الشاعرة اللبنانية سهام الشعشاع وهي ترثي زوجها الراحل.

لا اعرف نرثي من؟ السياسي الذي تنصل من مبادئه وتخلى عن شعاراته حينما تذوق طعم السلطة والجاه والمال والمجد، متناسيا كل تاريخه..!

ام نرثي الشاعر الذي قدم ومنح وغرد وثار وناضل وتعذب، وهو اليوم نزيل غرفته يتصارع مع الموت من اجل الحياة.

اليوم نقف أمام شاعر كبير، صرح عال، نخلة عراقية شامخة، صوت صدح للوطن وللحرية وللإنسان. نقف باجلال امام قامة عراقية، نقف وبتواضع امام (مظفر النواب) الشاعر الثائر والمناضل العاشق. قبع في السجون والمعتقلات، حكم عليه بالإعدام لمواقفه الثورية، عاش سنوات وراء جدران السجن الصحراوي (نقرة السلمان) هرب من سجن الحلة وتوارى عن الانظار ليعيش في الاهوار مع الفلاحين وصيادي الاسماك، حاول الهرب الى روسيا عن طريق ايران الا ان السافاك الشاهنشاهي القى القبض عليه وسلمه للسلطات الامنية العراقية ليودع السجن مرة اخرى.

هرب الى عمان، ثم دمشق، ثم اوربا، عاش المنافي والترحال الى ان استقر به الحال في دمشق هو اليوم طريح فراش مرض بعد ان هدته الغربة واتعبته السنين، هذا الثائر على نفسه في شعره وعلى كل ما يدور من حوله بنظرة فيلسوف.. هو اليوم ممدد.. يتولى من الألم...

هو القائل: (اينما وجدت نخلة فأعلم ان تلك الارض عربية.. وما اكثر الأراضي العربية التي دخلت قائمة المصروفات في ظل صمت الحكام العرب..!

عذرا ايها الحالم. لقد ابكتك المنافي وسنين الترحال وبكيت على صدر الوطن في بكائيتك المعروفة.. لانك اعلم بنزفه وعمق جرحه، سنصلي لذلك الجسد الممتد عبر الزمن عسى ان يهبه الله شيئا من حياة جديدة، ليعود ويغرد للوطن وللصباحات وللإنسان.

هؤلاء العظماء من الرجال، الحالمون بالحرية وبالأمل، قناديل ازلية للإنسانية حيثما وجدت وتبقى مقولة (هيغل) تذكرني بما هو عليه عالم اليوم من الاستبداد من قبل السياسي المهمين..

(التاريخ يعلمنا درسا واحدا، هو ان الحكومات والافراد لم يتعلموا شيئا من التاريخ).
 








زوار الموقع

mod_vvisit_counterاليوم436
mod_vvisit_counterأمس2144
mod_vvisit_counterهذا الاسبوع2580
mod_vvisit_counterالاسبوع الماضي12614
mod_vvisit_counterهذا الشهر11585
mod_vvisit_counterالشهر الماضي51059
mod_vvisit_counterالجميع393369

المتواجدون الان : 26
تاريخ اليوم: 07 سبتمبر, 2010

اعلانات,بيانات,مواعيد