|
السبت, 17 أيلول/سبتمبر 2011 16:43 |
|

فيما تتفاقم أزمة نظام الحكم، وتتعمق أجواء عدم الثقة بين الكتل السياسية المتنفذة، ويشتد التراشق الإعلامي والاتهامات المتبادلة، تكبر معاناة المواطنين وتتعاظم جراء سوء الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية وندرة فرص العمل، واستفحال الفساد. ويتحدث المسؤولون انفسهم عن ملفات جديدة للفساد ستفتح وتطاول مسؤولين كبار، في وقت تخلى فيه رئيس هيئة النزاهة عن منصبه تجنبا للضغوط، كما جاء على لسانه.
في غضون ذلك تبقى الكتل السياسية الحاكمة عاجزة عن التوصل الى توافق بشان مجلس السياسات الاستراتيجية والوزارات الأمنية، ويجري اللجوء الى التكليفات وكالة ، ليس فقط في الوزارات التي ما زالت شاغرة، بل وفي الكثير من الدرجات الخاصة في الوزارات والمؤسسات والهيئات، بما فيها الهيئات المستقلة التي أصبحت مرجعيتها موضع تجاذب وصراع بين الكتل المذكورة، وبين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويجد ذلك كله انعكاسه في الوضع الأمني وحصول العديد من الثغرات والاختراقات فيه، ووقوع العديد من العمليات الإرهابية الإجرامية المدانة التي ذهب ضحيتها مواطنون أبرياء في مدن العراق المختلفة . وما زال كاتم الصوت يحصد المزيد من الأرواح، كما حصل في اغتيال الشهيد هادي المهدي، المسرحي والناشط في الحركة الاحتجاجية . كما يزداد قلق المواطنين ازاء استمرار نشاط المليشيات تحت مسميات وعناوين شتى، في مخالفة صريحة للدستور وللاتفاق العام على ان يكون السلاح حصرا بيد الدولة.
ويحدث هذا في وقت يتوجب فيه على القوات الامريكية ان تغادر العراق وفقا لاتفاقية سحب القوات، وهو ما يتوجب ان يتم في وقته المحدد، وان تضطلع قواتنا العسكرية واجهزتنا الامنية بكامل المسؤولية في ادارة الملف الامني.
وليس الحال أحسن في مجال علاقات العراق مع جيرانه، الذين يستغلون ضعف وهشاشة الوضع الداخلي في بلادنا ليمعنوا في تدخلاتهم السافرة في شؤونه الداخلية وتهديدهم لمصالحه الحيوية. وهو ما تجلى ايضا في الاعتداءات الايرانية والتركية المتواصلة على الاراضي العراقية، والحيلولة دون حصول العراق على حصة عادلة من مياه نهري دجلة والفرات والانهر والروافد الاخرى.
في الوقت نفسه ورغم ارسال العراق بعثة فنية الى دولة الكويت للقيام بمعاينة ميدانية لمشروع بناء ميناء " مبارك "، موضع الخلاف والجدل، فان الحكومة لم تعلن حتى الآن موقفا وطنيا موحدا في هذه القضية الحساسة ذات البعد الوطني، التي يفترض ان يتم التعامل معها بعيدا عن الحسابات الضيقة لهذه الكتلة او تلك، وبعيدا عن الضغوط الخارجية، مع مراعاة المصلحة الوطنية، ومستقبل العلاقات مع الجارة الجنوبية التي نريد لها ان تخدم مصالح الطرفين، وتكرس حسن الجوار. وعلى ان تستنفد كافة الاجراءات السياسية والدبلوماسية لمعالجة المشاكل العالقة، والافادة في ذلك، كمخرج أخير، من دور المنظمات والهيئات الدولية بما يضمن مصالح العراق.
والظاهر اليوم ان الازمة الشاملة التي تلف بلادنا ليست مرشحة للانفراج في القريب، بل ان كل يوم جديد يضيف اليها تعقيدات جديدة. يدلل على ذلك ايضا التوتر الاخير بين بعض اطراف الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان، على خلفية تقديم مسودة جديدة لقانون للنفط والغاز، وعدم تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه سابقا، خصوصا ما يتعلق بتنفيذ المادة 140 باعتبار ذلك استحقاقا دستوريا اوساط شعبية متنوعة وواسعة، معبرة عن رفضها للمعاناة الناجمة عن في هذه الاثناء تواصلت حركة الاحتجاج المشروعة التي تساهم فيها اوساط شعبية متنوعة وواسعة، معبرة عن رفضها للمعاناة الناجمة عن انعكاسات الأزمة، وعن عجز مؤسسات الدولة وعدم ادائها مهامها ، وعن شظف العيش وصعوباته وسوء الخدمات والبطالة والفساد ، وعن الخرق المتعمد للدستور والتضييق على الحريات العامة والشخصية ، والرفض المتزايد للآخر المختلف.
الا انه رغم مرور اشهر طويلة على طرح المطالب الشعبية العادلة، تبدو الحكومة بنهجها القائم على المحاصصة الطائفية –الاثنية، وبتركيبتها وآليات عملها، عاجزة عن تلبيتها وعن معالجة مشاكل البلاد المتعاظمة وإيجاد مخرج من الأزمة المخيمة على وطننا.
وانه لمن المشروع والحالة هذه، ان يجري التطلع والسعي الى انقاذ البلد من المأزق المستعصي، الذي دفعته اليه الكتل المتعاركة على النفوذ والسلطة والهيمنة والمصالح الضيقة، والى تجنيبه المزالق الخطرة ولعل ابرز الخيارات المطروحة في هذا الخصوص، خيار الدعوة الى انتخابات برلمانية مبكرة. فهو الامثل والاسلم، كونه خيارا سلميا ديمقراطيا يجنب البلاد مخاطر الخيارات العنفية.
وتمهيدا لإجراء الانتخابات لا بد لمجلس النواب من أن يباشر منذ الآن، باتخاذ الخطوات والإجراءات الضرورية لتنفيذ قرار المحكمة الاتحادية الصادر في 14 حزيران 2010 ، القاضي بعدم دستورية تعديل قانون الانتخابات، وهو التعديل الذي نص على ان "تمنح المقاعد الشاغرة الى القوائم الفائزة التي حصلت على عدد من المقاعد بحسب ما حصلت عليه من الأصوات.
وهنا يبرز واجب المحكمة الاتحادية ومسؤوليتها في التوجه عاجلا نحو إلزام مجلس النواب بتنفيذ قرارها المذكور ومراقبة التنفيذ.
والى جانب اعادة النظر في قانون الانتخابات وإلغاء التعديلات غير الديمقراطية التي ادخلت عليه، يتطلب اعتماد خيار الانتخابات تشريع قانون ديمقراطي عصري للأحزاب، واختيار مجلس جديد لمفوضية الانتخابات، وانجاز التعداد السكاني.
ان جماهير شعبنا وقواه واحزابه الوطنية مدعوة الى العمل المشترك. المبادر لممارسة حقوقها التي كفلها الدستور، والضغط على القوى المتنفذة التي فقدت قدرتها على انجاز ما وعدت به ناخبيها، الذين حملوها الى سدة الحكم، وفشلت في بناء وادارة الدولة العراقية الجديدة.
وان اول ما ينبغي القيام به في هذا المجال هو مطالبة مجلس النواب والضغط عليه، كي يتخذ الاجراءات اللازمة التي تكفل اعادة الامانة الى الشعب، ليقول كلمته الفصل باعتباره مصدر السلطات.
افتتاحية " طريق الشعب" 18 ايلول 2011
|