|
الإثنين, 13 حزيران/يونيو 2011 20:08 |

شهدت ساحة التحرير في بغداد الجمعة الماضية تطورا مثيرا للقلق الشديد في التعامل الحكومي مع حق المواطنين في التظاهر السلمي والاحتجاج.
فازاء التظاهرات التي انطلقت في الساحة بمناسبة انتهاء المائة يوم، التي كان رئيس الوزراء قد اعلنها مهلة للمباشرة بمعالجة المشكلات المعيشية والخدمية والحياتية المتفاقمة في البلاد، بدت اقسام نافذة في السلطة متضايقة ومنزعجة الى حد بعيد. واذا كان هذا الانزعاج بحد ذاته غير مفهوم، بالنظر الى كون المتظاهرين يمارسون حقا دستوريا، ولا يخرجون في ممارستهم اياه على ما ينص عليه الدستور من جنوح الى السلام وابتعاد عن العنف، فان الاكثر غرابة هو الطريقة التي تم التعبير بها عن ذلك الانزعاج. حيث جرى حشد عناصر موالية من محافظات مختلفة، وشيوخ عشائر وافراد منها، ومنتسبي اجهزة امنية وعسكرية، ونقلهم بالجملة الى ساحة التحرير ذاتها، التي كانت وقت ايصالهم اليها تغص بالمشاركين في مظاهرات الاحتجاج. وبدا واضحا ان العملية استهدفت غاية واحدة، بل ووحيدة كما تبين لاحقا، هي الانقضاض على المتظاهرين في الساحة، واحباط فعاليتهم الاحتجاجية السلمية، ومصادرة حقهم في التعبير عن آرائهم وطرح مطالبهم، وفق ما يقضي به الدستور.
ونقل بعض الفضائيات والفوتوغرافيين والمراسلين الصحفيين صورا كثيرة للاعتداءات الجسدية المنكرة، التي شنتها العناصر المذكورة بالهراوات والادوات الجارحة وبضمنها السكاكين والمشارط في بعض الحالات، واستهدفت فيها الشباب والمواطنين الآخرين وحتى النساء، المتظاهرين مع الجماهير العزلاء التي ترفع اللافتات وتردد الشعارات لا غير.
وارتباطا بذلك تساءلنا مع المراقبين والمتابعين عن كيف وصل هؤلاء "المتظاهرون" الجدد الى الساحة مع اسلحتهم وادواتهم تلك، في الوقت الذي كان يجري فيه تفتيش بقية الداخلين اليها بالدقة والصرامة المعهودتين!
من جانب آخر لا جدال في حق هؤلاء المواطنين ايضا في التظاهر، وفي ممارسة حرية التعبير عما يريدون من وجهات نظر، وطرح ما يشاؤون من مطالب. انما هل كان لا بد ان يفعلوا ذلك في المكان ذاته الذي احتشد فيه المشاركون في تظاهرات الاحتجاج منذ الصباح؟ هل ضاقت ساحات وفضاءات بغداد حتى لم يبق سوى ساحة التحرير؟ وماذا عن ملعب نادي الزوراء في الكرخ و ملعب الشعب في الرصافة وغيرهما من الاماكن التي سبق لقيادة عمليات بغداد ان روجت لها، ودعت الراغبين بالتظاهر الى التوجه اليها؟ لماذا تناستها القيادة هذه المرة، ونقلت متظاهريها المدججين بالتوثيات والادوات الجارحة المختلفة الى ساحة تظاهرات الجمعة دون غيرها؟ الم يهدها عقلها الراجح الى امكان وقوع ما وقع بالفعل لاحقا، من اعتداءات سافرة قام بها متظاهروها؟ وان من واجبها الحيلولة دون حصول اي عنف، وضمان حق المواطنين، كل المواطنين، في التظاهر بسلام وامان؟
والغريب كذلك ان العملية كلها جرت تحت شعارات التنديد بجريمة " عرس الدجيل" الشنيعة، والمطالبة بالقصاص العادل لمرتكبيها الآثمين. فهذه المطالبة المشروعة لا يجمعها جامع مع الاعتداء على المواطنين الآخرين، وعلى حقهم في التظاهر. كما ان التنديد بمرتكبي تلك الجريمة، التي هي انموذج مروع للعنف الوحشي الحاقد، يتعارض مع اللجوء الى أي نوع من العنف الجسدي، وإلحاق الاذى بالغير. لا سيما وان هؤلاء الغير، الذين يتظاهرون كل جمعة منذ اواخر شباط الماضي، يرفعون ايضا شعارات استنكار الارهاب والاجرام والتكفير والتخريب، بل وفي هذه المرة ادانة القتلة منفذي مذبحة " عرس الدجيل " انفسهم، والمطالبة بالاقتصاص منهم.
ومما يزيد الاستغراب ويعمق القلق ان التجاوز و الاعتداء على المتظاهرين تم تحت سمع وبصر واشراف وزير الدولة - الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية، و معه الناطق الرسمي باسم قيادة عمليات بغداد، بل حتى وزير حقوق الانسان الذين تحدثوا لوسائل الاعلام من ساحة التحرير بعد التجاوزات والاعتداءات على المتظاهرين العزل، مشيدين بمتظاهري السلطة و مباركين همتم وحماسهم!
ان هذا كله، وغيره مما لا يتسع المجال هنا لذكره، يدفع الى التساؤل المشروع عن الغاية الحقيقية من العملية المنظمة التي شهدتها ساحة التحرير يوم الجمعة: هل كانت حقا وصدقا فعالية إدانة لجريمة الدجيل، ومطالبة بانزال العقاب العادل العاجل بمقترفيها؟ ام انها كانت مجرد توظيف للاستنكار المشروع لتلك الجريمة، في تخويف الآخرين، والحد من حرياتهم وحقوقهم، ومنعهم من ممارستها؟
المتأمل الجاد في هذه التساؤلات لا يكاد يجد سوى جواب واحد: ان ما جرى كان مسعى لحرمان الناس من حقوقهم وحرياتهم التي يكفلها لهم الدستور، وبنحو خاص حقوقهم في التعبير والاحتجاج والتظاهر.
وذلك هو مبعث القلق، قلقنا وقلق كل المتمسكين بالدستور ونصوصه واحكامه.
وهو ما يدفعنا الى شجب الانتهاك الذي تعرض له دستورنا والاعتداء الذي استهدف المواطنين الذين كانوا يستظلون بها ويحتمون، ويتمتعون بما تقضي به لهم من حقوق.
كما يدفعنا الى التحذير من العودة الى مثل هذا التعامل ثانية . فذلك يشبه اللعب بنار مستعرة، لا ينذر انتشارها بأقل من التهام الاخضر واليابس. لا سيما في ظل الاجواء المخيمة على بلادنا اليوم، وهي اجواء تدهور خطير في العلاقات بين القوى السياسية، خاصة الحاكمة، وتوتر وتشنج عامين لا يبشران بكثير خير للعراقيين والعراق.
وذلك ما سنعود اليه في عدد قادم.
|