المؤتمر الوطني بين القبول والمناورات التكتيكية / افتتاحية طريق الشعب PDF طباعة أرسل إلى صديق
الثلاثاء, 17 كانون2/يناير 2012 13:33

alt

 

استبشر العراقيون خيرا حين أعلنت القوى والأحزاب السياسية المعنية قبولها بالحوار الوطني الشامل اسلوبا حضاريا وديمقراطيا لمعالجة المشاكل وصياغة التفاهمات على أساس المشتركات والتوافقات الصادقة، وبالمؤتمر الوطني الموسع إطارا لجمع قوى

الخير وميدانا للنقاش الحر والجاد والمسؤول لحل الأزمة المستعصية، التي تحيط بالوطن وتشل طاقاته في ظرف نحن أحوج ما نكون فيه للوحدة الوطنية وتماسك أبناء العراق، وهم يواجهون تحديات إعادة بناء بلدهم وإصلاح أوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، خصوصا بعد جلاء قوات الاحتلال من بلادنا.
وما هو مؤسف حقا ما نشهده من تطورات في الأيام الأخيرة، من إصرار على التراشق الإعلامي والنفخ في الخلافات والتصعيد في وتيرة تدهور العلاقات السياسية بين الكتل المتنفذة، رغم ما يعلن عن "الأجواء الإيجابية" والاتفاق على "إيقاف الحملات الإعلامية" وقرب موعد عقد المؤتمر الوطني وإعلان هيكلية اللجنة التحضيرية له، وغير ذلك مما يتم الحديث عنه.
إن هذه الأجواء والعلاقات المحتقنة تثير القلق الشديد ومشاعر الإحباط في نفوس أبناء شعبنا التواق للحرية والأمن والاستقرار والعيش الرغيد في بلد يزخر بكل ما يساعد على تحقيق نهضة اقتصادية – اجتماعية – ثقافية شاملة، ينعم بخيراتها المواطنون في أرجاء الوطن على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والقومية والدينية والمذهبية والجهوية. كما ان هذه الأجواء المتشنجة قد سمحت وشجعت عناصر السوء، أعداء الشعب والوطن من الصداميين والتكفيريين ومنفذي أجندة الأجهزة المخابراتية الاجنبية، المتصيدين في الماء العكر، على إثارة الفتن وتأجيج العواطف وتجييش المشاعر الطائفية، ونشر الإشاعات والأكاذيب والتلفيقات للمشاغبة والإمعان في تسميم الأجواء.
فهل من الجدية جعل مكان عقد المؤتمر حجر عثرة لعرقلة التئام المؤتمر؟! فأرض العراق واسعة وكلها تصلح أن تكون موقعا لانعقاد المؤتمر، ولكن المهم هو أن يؤمن حضور كل المعنيين من ذوي الشأن للمساهمة في هذا المؤتمر، لضمان جدية النقاشات وفاعلية ومصداقية القرارات.
ومن الغريب، أيضا، والكل يدرك عمق الأزمة واستعصاء حلها بالأساليب القديمة وتبويس اللحى، أن البعض ما زال مصراً على تحجيم أعمال المؤتمر وتضييق جدول أعماله ليبقى في اطار الجزئيات، أو ما استحدث أخيرا من مشاكل جانبية، أو إغراقه بقضايا ثانوية أو التركيز على مطالب خاصة لهذه الجهة او تلك، دون البحث في جوهر الأمور والمسببات العميقة التي ولـّدت الأزمة وفاقمت من أبعادها وآثارها السلبية على حاضر ومستقبل العراق.
ومن اللافت إصرار البعض على إدراج اتهام السيد طارق الهاشمي وقرار القبض عليه في جدول أعمال المؤتمر الوطني المزمع عقده، وإهمال حقيقة إن القضية برمتها يجب إيكالها الى القضاء العادل والنزيه، البعيد عن الانحياز الا للقانون ومصالح الشعب العليا وتجنب تسييسها وجعلها لغما لتفجير المؤتمر.
إن جدوى المؤتمر وعلائم جديته تكمن في البحث العميق في مسار العملية السياسية كله بروح المراجعة النقدية، وفحص مدى الضرر الذي ألحقته المحاصصة الطائفية- الاثنية ببناء الديمقراطية الحقيقية، وبحقوق الانسان ومبدأ المواطنة، ومدى عقم نهج التزمت والعناد والتعالي وتغليب المصالح الذاتية الخاصة على مصلحة الوطن العليا، وفقدان المرونة والتفرد والابتعاد عن الواقعية السياسية وروح الحوار والتسامح، في ضمان أجواء سلسلة وطبيعية لإنجاز ما وعد به الشعب من أهداف ومكاسب، واحترام للدستور وأحكامه. كذلك التوقف عند مدى خطورة دفع الأمور الى حافة الهاوية، والاستعانة بالمليشيات والأساليب اللاديمقراطية بكل ما يعنيه ذلك من تحفيز وتسهيل لمهمة الإرهابيين، وتفاقم مديات الفساد، وإضعاف جهد وهمة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية.
ويتوجب أن يتمعن المؤتمر، أيضا، بمدى خطل وضرر الاستقواء بالقوى الاجنبية، على مصالح شعبنا الوطنية وآفاق مستقبل تطور بلدنا وعودته عضوا فاعلا في الساحة الدولية، وما يحمله مثل هذا التوجه من مخاطر في جعل ارض العراق ساحة لتصفية الصراعات الخارجية، دولية واقليمية، او ما يعنيه من تطويع توجهات القوى العراقية لأجندات ومصالح الأمن القومي للدول الأجنبية، ومن مصادرة للقرار السياسي الوطني العراقي المستقل.
إن شعبنا يتطلع الى عقد مؤتمر وطني واسع تشارك فيه كل القوى المساهمة في العملية السياسية "مشاركة في الحكومة والبرلمان أم غير مشاركة فيهما"، وأن يكون مؤتمرا حقيقيا لبحث شؤون الوطن ومسيرته لبناء الديمقراطية، وليس مؤتمرا شكليا يزيد من تعقيد الأمور ويفتح الأبواب أمام أسوأ الاحتمالات، ويغرق الوطن في المتاهات.
إن عقد المؤتمر ونجاحه بتفعيل حوار جاد ومثمر واتخاذ القرارات الصائبة ورسم المعالجات الناجعة واتخاذ التدابير لضمان تنفيذها بصدقية، كل ذلك بات حاجة ملحة لتواصل البناء الديمقراطي ولاستقرار البلد السياسي والأمني ولإعادة بناء وإعمار اقتصاده، وضرورة حياتية لضمان تقرير مصيره بنفسه ولمصلحة تطوره الحر المتصاعد.
ومن دون شك يرتبط نجاح المؤتمر في أداء مهامه وتحقيق رسالته، بمدى توفر أفضل الأجواء لانعقاده وبالجهد المبذول والمخلص في التحضير لمجريات أعماله، وبالإرادة الوطنية الصادقة لتجاوز الصعاب وتذليل العقد. وهذا يستلزم التحلي بأقصى درجات الواقعية ونكران الذات وبحسن النية والسعي لاستعادة الثقة وتعزيزها بين الأطراف المتصارعة، والعمل على التخلي عن الممارسات والمفاهيم التي ساعدت على تشكيل الأزمة، وتبني نمط تفكير جديد ومنهج تعامل حكيم لإعادة النظر بكل ما يواجه الوطن من تعقيدات ومشاكل وتجاوز ما يعرقل بناء العراق الديمقراطي الاتحادي المستقل والموحد.
ومن جانب آخر، فإن نجاح المؤتمر وضمان خروجه بقرارات سليمة معبرة عن المصالح العليا للشعب والوطن، وتبني حلول واقعية للمشاكل، وضامنة لتطوير مسيرة بلدنا وتعميق الممارسة الديمقراطية والسير نحو البناء والاستقرار والرفاه الاجتماعي، يعتمد ويستلزم بشكل ملح تصعيد الضغط الجماهيري على كل الأطراف المساهمة في الحوار والمؤتمر لدفعها للانخراط في أعماله والعمل الجاد على نجاحه وتحقيق أهدافه.
وتبقى مساهمة الجماهير المكتوية بنار الأزمة البنيوية المستعصية وتفعيل نشاط الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني؛ النقابات والاتحادات والجمعيات، المهنية والجماهيرية، متطلبات أساسية لإعادة ترتيب أوضاع البلد عند هذا المنعطف التاريخي، الحساس والخطير.
جريدة "طريق الشعب" الثلاثاء 17/1/2012