|
الإثنين, 09 كانون2/يناير 2012 18:35 |
|

بلغ اجمالي النفقات العمومية لمشروع الموازنة الاتحادية لعام 2012 أكثر من 117 ترليون دينار، مقابل 102.3 ترليون دينار لاجمالي الايرادات، تتوزع على 37.2 ترليون دينار للنفات الاستثمارية، و79.9 ترليون دينار للنفقات التشغيلية، اي ما يعادل 31.8 % و 68.2 % على التوالي من اجمالي الموازنة. وتسجل الموازنة المقترحة عجزاً مخططاً قدره 14.8 ترليون دينار، ما يعادل 12.6% من اجمالي الموازنة. وتعتمد تقديرات موازنة 2012 سعر 85 دولاراً لبرميل النفط ومعدل تصدير يومي مقداره 2.6 مليون برميل.
ونحن نتفحص ارقام العجز وسبل تمويله، وتخصيصات ابواب الموازنة الأخرى، لا يسعنا إلاّ أن نؤكد الطلب الذي توجهت به اللجنة المالية في المجلس الى وزير المالية لأن يكشف لأعضاء مجلس النواب، ولعموم أبناء شعبنا، عن الأرقام الفعلية لقيمة كميات النفط المصدرة منذ عام 2007، وعن مبالغ الانفاق الفعلي في ضوء نسب تنفيذ الموازنات السابقة، والفوائض المالية المتحققة نتيجة لبيع النفط باسعار أعلى من تلك المعتمدة في الموازنات وتدني نسب تنفيذ المشاريع. وبمطالبتنا هذه،إنما نؤشر ثغرة جدية في عملية الرقابة البرلمانية، على عملية اعداد وتنفيذ الموازنة، حيث تقوم وزارة المالية بتخصيص الاموال الفائضة، غير المدرجة في الموازنة التي يقرها المجلس، دون الرجوع إلى السلطة التشريعية. لذلك ليس غريباً ان يكتشف الآن نواب أعضاء في اللجنة المالية في المجلس، مندهشين، أن ثمة فوائض مالية متراكمة خلال السنوات الماضية تقدر بعشرات الترليونات من الدنانير. ويعكس غياب الشفافية في هذا الخصوص خللاً ينتقص من الديمقراطية، وتهاوناً غير مبرر من قبل المجلس في معالجته رغم التنبيه له منذ سنوات، وخصوصاً من قبل النواب الشيوعيين في الدورة السابقة لمجلس النواب.
وتعكس المبالغ المخصصة للموازنتين التشغيلية والاستثمارية ثباتاً نسبياً في طريقة توزيع النفقات العمومية رغم كل دعوات وتأكيدات الخبراء والمتخصصين و تصريحات المسؤولين في الدولة والكتل السياسية المتنفذة على ضرورة ترشيد جانب الانفاق التشغيلي لصالح زيادة حصة التخصيصات الاستثمارية.
وفي جانب الايرادات، نجد تراجعاً في الايرادات غير النفطية، ومزيداً من الاعتماد على الايرادات النفطية التي ارتفعت نسبتها من اجمالي الايرادات من 88.8% إلى 92.2 % ، مقابل 7.8% لمجموع المصادر الأخرى لايرادات الموازنة، كالضرائب المختلفة، والرسوم والايرادات الكمركية واجور الخدمات. وإذا كانت هذه النسب غير مستغربة بقدر ما تمثل ايرادات الموازنة انعكاساً للبنية الاحادية للاقتصاد العراقي الشديدة الأعتماد على النفط، ولكنها في الوقت نفسه تعطي مؤشراً سلبياً يبين فشل السياسات المعتمدة حتى الآن في تحقيق أي تحسن وتطور على صعيد تنويع مصادر تمويل الموازنة العامة ورفع فعالية السياسة الضريبية وكفاءة أداء الأجهزة الحكومية وآليات جني الضرائب وجباية رسوم استحصال اجور توفير الخدمات من قبل الشركات والمؤسسات العامة، كما يفوّت التعطيل والتأجيل المتكرر لتفعيل قانون التعرفة الكمركية على الموازنة الاستفادة من مصدر اضافي مهم للايرادات.
لعل من اهم الاتجاهات التي يمكن استخلاصها من تحليل توزيع تخصيصات الموازنة على القطاعات المختلفة استمرار الاهمال وضعف الاهتمام بالقطاعات الانتاجية، حيث لم يحظ قطاعا الزراعة والصناعة مجتمعين بأكثر من 3.27%، كما تم استبعاد نفقات دعم الشركــات العامة المدرجة ضمن الموازنة العامة كافة واستمرار توجهها نحو المصارف الحكومية للحصول على قروض لتمويل رواتب منتسبيها بعد تقديم دراسات جدوى، ما يعني عملياً مفاقمة صعوبات تشغيل هذه الشركات ودفع اوضاعها إلى مزيد من التدهور تمهيداً لتصفيتها. ولا يؤدي ذلك سوى تكريس الطابع الريعي للاقتصاد الوطني، بما يتعارض كلياً مع هدف خطة التنمية للاعوام 2010-2014التي تمثل احدى مرجعيات الموازنة، في تنويع القاعدة الانتاجية. اضافة إلى أن هذا التوجه لايساعد، ان لم نقل يتقاطع مع تمكين اقتصادنا من خلق فرص عمل جديدة ومكافحة الفقر وتنمية قدراتنا الاقتصادية، المادية والبشرية.
وثمة اتجاه آخر في الموازنة يتعلق بالابعاد والتأثيرات الاجتماعية للموازنة ظهرت ملامحه من خلال اولويات تخصيصات الموازنة ومن منحى التعديلات التي ادخلتها الحكومة استجابة لضغط صندوق النقد الدولي. فيلاحظ تراجع نسبة ما تمثله تعويضات الموظفين ورواتب المتقاعدين إلى 34.2% من اجمالي الموازنة و50.17 % من اجمالي النفقات التشغيلية، أي من 39% و 56.6% على التوالي في موازنة عام 2011، واستحداث 58908 درجات وظيفية للخريجين الجدد في بعض الاختصتصات، ما يقارب ثلث الدرجات الوظيفية التي تضمنتها موازنة 2011، اضافة إلى حجب الدعم عن الشركات العامة في هذه الموازنة، وتأجيل الزيادة في الرواتب التقاعدية والدعم لشبكة الحماية الاجتماعية وصندوق تسليف الطلبة وتثبيت تخصيصات البطاقة التموينية بمستوى 4 ترليون ، ما يعني خفض قيمتها الحقيقية بسبب التضخم النقدي. وينعكس هذا التدني في الاهمية التي يوليها واضعو الموازنة على تراجع نسبة تخصيصات وزارة الصحة عما كانت علية في موازنة2011 بنسبة 0.8% .
واستحوذت تخصيصات الأمن والدفاع على 14.6% من اجمالي الموازنة. وما يستدعي الاهتمام والانتباه والتحذر منه في هذا الخصوص، هو تنامي مظاهر عسكرة المجتمع، وهو ما يتعلق بالجانب التشغيلي من هذه التخصيصات، حيث تضخمت اعداد العاملين في وزارتي الدفاع والداخلية لتمثل أكثر من 45% من عدد العاملين في الدولة، باستثناء اقليم كردستان. وقد استقطبت الاجهزة العسكرية والأمنية اعداداً كبيرة من الشرائح الشابة في المدينة والريف، وذلك على حساب المؤسسات وبعض الانشطة الانتاجية، وخصوصاً الزراعية في الريف.
ويتمثل اتجاه آخر بزيادة تخصيصات تنمية الاقاليم، وبفضل تخصيصات البترودولار إلى حد كبير، ولكن يستلزم حسن استخدام هذه التخصيصات تمكين المحافظات من ادارة هذه الأموال بمنحها الصلاحيات المطلوبة وتأهيل كوادرها، وكذلك حل مشكلة تحديد الحدود الادارية وتوفير احصائيات دقيقة عن عدد سكانها في ظل عدم دقة ارقام اعداد البطاقة التموينية. ويؤكد ذلك اهمية وضرورة اجراء التعداد العام للسكان في العراق هذا العام وتوفير التخصيصات اللازمة له في هذه الموازنة.
ومما يثير الاستغراب ضآلة التخصيصات لقطاع الاسكان، رغم الازمة الشديدة في السكن وضخامة احتياجات الفئات ضعيفة الدخل، التي لا تؤمن حاجتها استثمارات القطاع الخاص الاجنبي والمحلي.
كذلك بقي قطاع الثقافة ممثلا بوزارته يفتقد الاهتمام الحقيقي في الموازنة. فالمخصص للوزارة لا يكاد يزيد على مثيله في السنوات الفائتة، وهو هذه المرة 26 في الالف من حجم الموازنة لا اكثر! وفوق ذلك، وبالنسبة الى التخصيصات المقررة لمشروع "النجف عاصمة الثقافة الاسلامية" ومشروع "بغداد عاصمة الثقافة العربية" والمهرجانات والاحتفالات الثقافية الاخرى لوزارة الثقافة، فقد تم استبعادها من الموازنة وتأجيل اعتمادها حتى الموازنة التكميلية، اذا تقرر اعداد مثل هذه الموازنة في وقت لاحق من السنة الحالية.
وإذ استحوذ قطاع النفط والطاقة، بما فيه الكهرباء، على الحصة الأكبر من الموازنة، فنحن نتطلع لآن يتم الاسراع في تنفيذ المشاريع المعلنة، ووفق التوقيتات والوعود التي اطلقت وبالمواصفات المطلوبة، عبر تشديد مكافحة الفساد والرقابة على الأداء من قبل مجلس النواب والجهات الرقابية الاخرى في الدولة.
وتؤشر هذه الملاحظات، إلى جانب العديد غيرها، التي لا يتسع المجال لذكرها تفصيلاً، ضرورة معالجة هذه النواقص والثغرات باتجاه مزيد من العدالة لمصلحة الفئات ضعيفة الدخل ومحدودته، وتوفير الموارد اللازمة لقطاعات الخدمات الاجتماعية الاساسية والانشطة الانتاجية ووضع ضوابط فعالة لضمان حسن تنفيذ المشاريع، وخصوصاً في مجالات الطاقة.
* القسم الاول من الافتتاحية
|