| انتزاع مخالب الاستبداد النفط) على هامش مسوّدة موضوعات المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي العراقي / ( أ.د سليم الوردي |
|
|
|
| الأحد, 19 شباط/فبراير 2012 20:13 |
|
وأنا منهمك في تأليف كتاب " العراق في دوامة الاستبداد النفطي " اطلعت على مسودة موضوعات المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي . واستجابة للدعوة واسعة النطاق للمشاركة في مناقشة الوثيقة ، وجدت من المؤاتي ان أدلو بدلوي ، لتعميق رؤيتنا لمسألة النفط في العراق التي كانت وما تزال حجر الأساس في المشروع الوطني العراقي . تحت عنوان " النفط والاستثمار فيه " تتناول الفقرات 79 – 101 من المسوّدة ، الأوجه المختلفة للاستثمار في قطاع النفط : إعطاء الأولوية للاستثمار الوطني ، تطوير الحقول ورفع الإنتاج عن طريق تراخيص عقود الخدمة ، والعمل المكثف لمضاعة طاقات التصفية ومعالجة الغاز ، والحثّ على الإسراع في تشريع وطني متوازن لإدارة الصناعة النفطية . بيد ان المسوّدة لم تسلّط الضوء من زاوية نظر علم الاقتصاد السياسي على النفط ، لتكشف لنا عما تختزنه سلعة النفط في العراق من تناقض بين ملكية الشعب العراقي للثروات النفطية بموجب الدستور من جانب ، والحيازة الفعلية لعوائد هذه الثروات من قبل السلطة الحاكمة ( استئثارا وإنفاقا ) من جانب آخر . وتنصبّ هوامشي أدناه على هذا الجانب . 1-مثلّت مسألة تحرير الثروة النفطية من قبضة الاحتكارات الأجنبية هدفا أساسيا للمشروع الوطني العراقي . بيد ان جانبا جوهريا للمسألة بقي طيّ الاغفال ، وهو : ماتختزنه الثروة النفطية في ظل نظام مستبد واقتصاد متخلف من قدرة على صياغة علاقة غير متوازنة بين الحكومة التي تمسك بيدها زمام السلطة السياسية والثروة النفطية من جانب ، والشعب المغترب عن ثرواته من جانب آخر . 2- ان استفراد القطاع النفطي بقطاعات الاقتصاد العراقي المنتجة وتهميشها ، هو الوجه الأخر لاستفراد الحكم المستبد بالمجتمع العراقي وإخضاعه لاملاءاته . وتمخضت عن ذلك منظومة اقتصادية وسياسية اطلق عليها اصطلاح " الاستبداد النفطي " الذي يهيمن على أوجه حياة العراقيين منذ مايربو على خمسة عقود . 3- غرس الاستبداد النفطي ثقافته في وعي العراقيين حين حصر تطلعاتهم وسبل حل مشاكلهم في زيادة إنتاج النفط وعوائده . 4- قد يتراءى لنا إن زوال الاستبداد السياسي بعد 9 نيسان 2003 قد قوّض دعائم الاستبداد النفطي في العراق . يجدر بنا ان ندرك ان الاستبداد قد بات منظومة فاعلة في العراق ، قادرة على ان تفرض املاءاتها حتى في كنف المنظومة " الديمقراطية " . إنها كالحرباء تستقبل الشمس نهارا وتدور معها كيف دارت ، متلونة بألوانها . في النظام السابق كان الاستبداد السياسي مشتقا من الاستبداد النفطي . اما في المنظومة الديمقراطية بعد 9 نيسان 2003 فقد تمخض عنه وليد جديد وهو : " الفسادالسياسي " الذي يتمثل في ضلوع مسؤولين كبار في الدولة في عمليات الفساد والتطاول على المال العام . وهم في حقيقة الأمر امتداد لأحزاب وكتل سياسية متنفذة . وقد صرح رئيس هيئة النزاهة السابق رحيم العكيلي : " أن بعض عائدات الفساد المالي تستخدم لتمويل عدد من الأحزاب السياسية وتدعم انشطتها " ( جريدة الصباح العدد 1711 في 25/1/2009 ) وهو مايفسر أسباب مماطلة الأحزاب السياسية المتنفذة في مناقشة وإقرار قانون الأحزاب السياسية ، خشية ان يكشف الستر عن مصادر تمويلها غير المشروعة . 5- يتصف الاستبداد النفطي بعقم الرؤية التنموية لدى السلطة الحاكمة . وبدلا عن تحفيز التنمية المستدامة التي تستقطب العاطلين عن العمل ، حصر فرص العمل في أجهزة الدولة بصرف النظر عن مدى حاجتها الفعلية إليهم بمعايير الجدوى الاقتصادية . وهو ماأسس للبطالة المقنعة في أجهزة الدولة ، التي استشرت في السنوات الأخيرة ، وبلغت أرقاما قياسية لامثيل لها في أي من بلدان العالم ، بما فيها البلدان النامية المنتجة للنفط . وهو مايمثل عبئا ثقيلا على كاهل الموازنات العامة ، ولا تقل تكاليفها – بتقديرنا – عن 50 % من اعتمادات الموازنة العامة ، وعلى حساب البرامج الاستثمارية ذات التماس بمصالح عموم الشعب . 6- يقود التضخم السرطاني لأجهزة الدولة ( تقدر ألان بزهاء أربعة ملايين موظف ) إلى تكريس احتواء الدولة للمجتمع ، ويصبّ في مصلحة الأحزاب والكتل السياسية المتنفذة . فقد باتت الوظيفة العامة والمال العام مصدرا ثرا توظفة الأحزاب المتنفذه لكسب ولاء شرائح واسعة من المجتمع . وقد كشفت نتائج انتخابات مجلس النواب ومجالس المحافظات ، عن هذه الحقيقة . 7- لقد نشأ الاستبداد النفطي في العراق واستشرى نتيجة هيمنة الحكومات على عوائد النفط والتحكم في أوجه أنفاقها : استئثارا وتبديدا . وتأسيسا على ذلك فان اختراق منظومة الاستبداد النفطي في العراق يتطلب ابتداء إنهاء الحيازة المطلقة للسلطة الحاكمة على عوائد النفط ، بحيث تصبح واحدة من الجهات المستفيدة لتمويل موازناتها العامة ، بينما تخصص بقية العوائد لتمويل صناديق اجتماعية وانمائية مستقلة عن الحكومة وموازناتها . وعلى سبيل المثال لا الحصر : أ - صندوق إعانة العاطلين عن العمل . ب- صندوق إعانة الأيتام والأرامل . ج- صندوق رعاية المسنين . د - صندوق إسكان الأجيال القادمة . ه - صندوق دعم الثقافة . و - صندوق تحفيز البحث العلمي والابتكار . 8- يموّل كل من هذه الصناديق بنسبة محددة من عوائد النفط ينصّ عليها القانون ولاتتصرف به الحكومة أو تنفقه وفق أولوياتها . وهو ماسيضع حدا لولاية الحكومة المطلقة على عوائد النفط ، آذ ستنتصب الى جانبها مؤسسات مستقلة نديّة مسؤولة عن إدارة تلك الصناديق ، وترتبط بمجلس النواب على غرار المفوضيات المستقلة فهو الذي يحدد هياكلها وقياداتها ويناقش موازناتها السنوية أسوة بالموازنة العامة. وسيؤسس ذلك لموازنة بين القوة المالية للمجتمع ممثلا بصناديقه المستقلة ، والحكومة ممثلة بموازنتها العامة ، فلا يبغي احدهما على الآخر . وهو ماينبغي ان ينصّ عليه في الدستور . 9- لقد انطلقت الشرارة الأولى لمواجهة الاستبداد النفطي في ايلول 2011 بصدد تشكيل مجلس النفط والغاز. واصرّت الحكومة على ان يتولى رئيس الحكومة رئاسة المجلس ، بينما ذهبت بعض الكتل البرلمانية الى ان تترأسه شخصية مستقلة ، وان يكون ارتباطه بمجلس النواب وليس بالحكومة . ويقترن ذلك باتساع المطالبة الجماهيرية بأن يوزع على أبناء الشعب العراقي جزء من عائدات النفط وكشفت اللجنة المالية في مجلس النوّاب عن مساع لتأسيس صندوق لمنح حصة مالية لكل مواطن من واردات النفط (جريدة الصباح ، العدد 2451 في 1/2/2012 ) . وبصرف النظر عن تباين التقديرات حول نجاعة هذا الصندوق بمعايير الجدوى الاجتماعية والاقتصادية ، فان طرح المشروع يشفّ عن تطلع الجماهير الى تفعيل المادة الدستورية - التي تنص على تملك الشعب العراقي للثروة النفطية والغاز- فهو يصّب من حيث النتيجة في إضعاف حيازة الحكومة المباشرة على عوائد النفط .
|