السيادة الوطنية وابعادها الوطنية المتغيّرة / د. مؤيد عبد الستار PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 12 شباط/فبراير 2012 23:24

alt

قبل ان نناقش موضوع السيادة لابأس من بيان ابسط تعريف لها : هي سلطة مستقلة على منطقة جغرافية معينة .
ظهر مفهوم السيادة في اوربا في القرن السادس عشر بعد حروب قاسية من أجل التحرر من سلطة الاباطرة والمستبدين . علما ان السيادة كانت تعني قديما السلطة التي تلبي حاجة المواطنين .
اما في المجتمعات الشرقية ، وعلى الاخص في الشرق الاوسط ، فان السيادة لم تكن تحمل المفهوم الحالي وانما كانت تعني سيادة القبيلة على موطنها ، او على الرقعة الجغرافية التي تعيش فيها ، وتتحدد تلك الرقعة الجغرافية بمدى كثرة اعداد ابناء العشيرة ، وبأس رجالها ، فتستطيع السيطرة على منابع المياه والاراضي الزراعية والمراعي وبذلك تكون السيادة لها فتشرب صافي الماء لانها المسيطرة على الانهار والينابيع :
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْـواً... وَيَشْـرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِيْنَـا .... معلقة عمر بن كلثوم .
وفي العصور السالفة التي تشكلت فيها الامبراطوريات الاسلامية مثل الاموية والعباسية والفاطمية والعثمانية والصفوية وغيرها من سلطات وامارات ، كانت تعقد فيها السيادة للخليفة بعقد انضمام شبه رسمي للامبراطورية وتبعية شكلية لمركز الخلافة مقابل دفع مبالغ من الاموال والثروات والهدايا الى بيت المال ، بذلك تستطيع الامارة او القبيلة الحفاظ على سيادتها على الرقعة الجغرافية التي لها ومواطنيها الذين يرتبطون بها سواء برابطة الدم والقرابة ام برابطة الولاء والعبودية والعمل ... الخ
ولكي لا نغوص في ثنايا التاريخ سنترك التفصيل في امر السيادة تاريخيا ، ونحاول فحص السيادة الوطنية ابان اعلان العراق دولة مستقلة عن الخلافة العثمانية اي غداة تتويج بريطانيا لفيصل الاول ملكا على العراق عام 1921 م .
السيادة في العراق الحديث
بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الاولى، فصلت بريطانيا العراق عن الخلافة العثمانية ومركزها تركيا
( دولة الرجل المريض) فاصبح العراق خاضعا لبريطانيا بموجب صك الانتداب البريـطاني ، اي ان العراق لم يكن صاحب سيادة على ارضه وثرواته ومواطنيه، فيما بعد اصبح العراق عضوا في عصبة الامم وحصل على استقلال شكلي و ظل يدور في فلك السياسة البريطانية مرتبطا بها من خلال معاهدات واتفاقيات جائرة اشهرها عضويته في حلف بغداد مع الباكستان وتركيا وايران حرمته السيادة الحقيقية الكاملة ، فظل الشعب العراقي يكافح من أجل نيلها ، حتى تحقق حلمه يوم الرابع عشر من تموز 1958 م بإسقاط الجيش للنظام الملكي واعلان العراق جمهورية مستقلة ذات سيادة وخروجه من حلف بغداد .
عاش العراق بعدها في دوامة صراعات دموية انهكته خلال سنوات قليلة ، واصبح من جديد تابعا ضعيفا لسياسة الشركات النفطية وفقد السيادة بشكل او بآخر بعد تسلم حزب البعث السلطة منذ عام 1963 حتى سقوط اخر دمى البعث بيد امريكا الذي حلم المواطن العراقي بانها ستكون المحرر له من قيوده ، ولكنه حتى اليوم مازال رازحا تحت البند السابع ، واصبحت اصغر دولة عربية تتحكم حتى في شركة طيران بلاده .
هذا باختصار عن السيادة تاريخيا ، ونعتذر عن تفصيل الامر لعدم الحاجة لتخصيص المقالة لتكون درسا في السيادة ، علما ان السيادة كانت دوما عصا غليظة بيد السلطة المستبدة تستعبد بها الشعب العراقي الذي كان وقودا دائما في محرقة الحكام من أجل بقائهم في مناصبهم واستمرارهم في نهب ثروات البلاد وحرمان المواطنين منها .
وقد ورد في مسودة موضوعات المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي العراقي عن موضوع السيادة الوطنية الكاملة ، مايلي : (كما دعونا الى اتخاذ الاجراءات كافة التي تضمن تمتع العراق بحقه في السيادة على ثرواته واراضيه ومياهه واجوائه، واكدنا تكرارا رفضنا الوجود العسكري الاجنبي ايا كانت صورته، وأن لا مساومة على استقلال بلادنا وسيادتها.)
من نافلة القول ان العالم أصبح قرية صغيرة بعد ان تطورت وسائل الاتصالات من هواتف نقالة وانترنيت وبث تلفزيوني فضائي ، لذلك فان الحديث عن السيادة الكاملة هو حديث غير واقعي ، حتى الجيوش اصبحت لا تستطيع حماية الدول والانظمة ومثال ليبيا مازال طريا ، وانما التحالف مع القوى الدولية المسيطرة على الفضاء والارض والبحار هو المجدي ، وهي دول معروفة لا مناص من التعامل معها ، اضافة الى تعزيز النضال على المستوى الانساني لنيل الحقوق العادلة ، مثلما يحدث في اوربا وبعض الدول الغربية من محاولة لانسنة العولمة المتوحشة ، وفرض القيم الانسانية التي نادى بها وضحى من اجلها اشهر ابطال البشرية مثل غاندي ومانديلا وجيفارا والرموز الوطنية العراقية مثل عبد الكريم قاسم وكوكبة كبيرة من شهداء النضال الفكري والسياسي الذين صعدوا المشانق واستشهدوا في السجون وسوح النضال في السهول والوديان والاهوار والجبال العراقية التي ارتوت بدماءهم الزكية .
وبالنسبة للثروات فلا اعتقد ان العراق اوغيره من منتجي النفط يستطيعون التمتع بالسيادة على ثرواتهم في الوقت الحاضر مهما كانت لهم من جيوش ، لان الدول المستوردة والصناعية هي التي تفرض اسعار النفط وتتحكم بانتاجه وتسويقه وكل ما يقال عن الثروة الوطنية هو محض تصور قديم للثروات الوطنية يوم كانت لا تتعدى التجارة بالاغنام والمحاصيل الزراعية بين مجتمعات بسيطة محدودة القدرة على التحرك والانتقال، اما اليوم فان رأس المال باستطاعته تغطية دول عديدة ومختلفة والتدخل في نشاطها التجاري وتحديد اسعار منتجاتها وثرواتها والتحكم باستيراد بضائعها من عدمه . ولدينا امثلة حديثة في العملة التي مازال الدولار يتحكم فيها بعملات جميع بلدان العالم حتى ان بلدا مثل الصين لا تستطيع التحكم بعملتها اليوم وانما تفرض عليها امريكا تغيير سعر العملة .او ما يتعلق بالغاز الروسي وتسعيره وبيعه الى دول اوربا او النفط الايراني الذي تجاهد ايران من أجل بيعه فقط حتى بأقل من سعره الحقيقي .
يجب أن لا نتوهم ان بناء جيش هنا او شرطة هناك سينتج سيادة وطنية كاملة ، ان السيادة الوطنية الكاملة اصبحت من المفاهيم المتخيلة لبناء دولة مثالية غير موجودة في الواقع ، لذلك يجب على العراق التعاون مع مجموعة من دول العالم بشكل ايجابي ، وعدم التعويل على شعارات تعود للقرن الماضي ، وكذلك خلق ارضية لتقاسم الثروة النفطية التي يمتلكها وهي ثروة ناضبة قد تنتهي خلال العقدين المقبلين ، او ينتهي الاعتماد عليها كطاقة رئيسة بعد عقد من الزمان – مع البلدان المتطورة لوضع خطة لصناعات بديلة والاهتمام بالزراعة اهتماما جادا ،والحد من نمو السكان المنفلت ، و العناية بالثقافة والعلوم والتكنولوجيا الحديثة كي نخلق مجتمعا قادرا على السير قدما الى امام مع المجتمعات المتحضرة في العالم .