قراءة في مسودة موضوعات سياسية للمؤتمر الوطني / فرحان قاسم PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأربعاء, 01 شباط/فبراير 2012 20:55

alt

لقد بذل جهد كبير في اعداد هذه المسودة وهو عمل يستحق التقدير ولكنني ارى انها طويلة ويمكن تقليصها باعادة صياغتها من جديد .
تضمنت المسودة 237 فقرة تحت عناوين متعددة وبالتسلسل الاتي : ( مقدمة مركزة ، انطلاق العملية السياسية ، تعمق ازمة النظام ، ضرورة اصلاح الجهاز الاداري والخلاص من المحاصصة ، موقفنا من الانتخابات ، السيادة الوطنية الكاملة ، الملف الامني وتطوراته ، التعديلات الدستورية واستحقاقاتها ، تعزيز الديمقراطية ، الحكم الاتحادي (الفدرالي ) ، السمات الاقتصادية – الاجتماعية ، اشتداد التفاوت في توزيع الدخل والثروة ، الخدمات هاجس المواطنين ، مكافحة الفقر، الطريق الى تنمية مستدامة ، الموازنة العامة ، النفط والاستثمار فيه، الكهرباء ، تحديات اجتماعية ، تحديات ثقافية ، الفساد المالي والاداري ، شركات والقطاع العام، المياه ، تطور الاوضاع الكردستانية ، الحركة الاحتجاجية وانتهاك الحريات الدستورية ، الخروج من ازمة نظام الحكم ، الانتخابات المبكرة كخيار للحل ، ضرورة المشروع الوطني ، استنهاض التيار الديمقراطي ، مهام الحزب القادمة ، التطورات في المنطقة ، موقفنا من قضية الشعب الفلسطيني ، الاتجاهات العامة لتطورات الوضع العالمي ، حول الازمة المالية العالمية ، محاولات احتواء الازمة ، تناقضات تفتح امكانات ، تحديات تواجه قوى اليسار ) .
يبدو لي ان تسلسل قسم من الفقرات اعلاه جرى بدون رابط منهجي يجمعها وبعض الفقرات فقدت الترابط مع ما قبلها وما بعدها . ولاحظت الكثير من التكرار للافكار ذاتها في فقرات مختلفة مثل الفساد المالي والاداري ، وانعدام رؤية استراتيجية ، والمحاصصة الخ .
ان كل فقرة في الغالب تناولت اشكالية محددة وفيها عرض لتلك الاشكالية وفي نهاية الفقرة تطرح المسوده البديل والعلاج من وجهة نظر الحزب و لكنني ارى ان جميع تلك الاشكاليات والحلول لها مرتبطة بالاشكالية الرئيسة في النظام السياسي بعد 2003 لذا اقترح توحيد تلك الحلول بسلة واحدة وربطها بالتحليل العميق لحزبنا بطبيعة جوهر الازمة وهذه الطريقة مهمة ونافعة لان الحلول المطروحة تفقد واقعية تنفيذها في ظل استمرار الازمة .
في المسودة مقدمة مركزة تضمنت تحديد طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق والمهمة الاساسية المرتبطة بها . شخصت المسودة بان المرحلة الراهنة " يتداخل فيها العديد من العوامل الداخلية والخارجية " وهي " بالغة التعقيد والصعوبة " و " وضعت شعبنا امام مهمة مزدوجة يتلازم فيها الوطني والديمقراطي والسياسي والاجتماعي " و " الصراع محتدم ومتواصل بشأن مستقبل وشكل الدولة والنظام السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي " وابقت الورقة الاوضاع " مفتوحة على احتمالات عدة " و هذا مرهون بعاملين : الاول مرتبط ب " قدرة الجماهير على مواصلة التحرك والضغط ، والثاني مرتبط بمواقف الكتل والاحزاب والقوى السياسية وقدرتها على تجاوز انانيتها ومصالحها الضيقة وامكانية توصلها الى برنامج واقعي ملموس لاخراج البلاد من ازمتها . " ان محور الصراع المحتدم هو التنافس على السلطة والثروة والقرار وعلى تحديد شكل الدولة الجديدة ومضمونها " .
يتضح ان المسودة اعتمدت عاملين لحل المعضلة والاستعصاء في النظام السياسي في العراق :
العامل الاول هو اللجوء الى " قدرة الجماهير على الضغط والتحرك " ، وكما هو معروف فان العمل الجماهيري هو السلاح الناجع الذي اعتمدته الحركة الشيوعية لتحويل البرامج الى ممارسة وواقع معاش وهذا ما فعله الحزب الشيوعي العراقي منذ تاسيسه فقد اعتمد الرفيق فهد على تعبئة الجماهير لتكون رافعة لميثاق العمل الوطني الذي اقره المؤتمر الاول للحزب عام 1945 وقال " ليس الميثاق اسطورة بل هو منهاج عمل لا يتحقق بدون تنظيمات شعبية قوية ويجب تدريب الشعب على الكفاح السياسي " وربطه بالنضال من اجل الديمقراطية واعتبر النضال الديمقراطي هو السلاح الاول لبلوغ اهدافنا من خلال النضال الجمعي " واضاف " نحن بحاجة الى اعتماد الجماهير في نضالنا وفي الايمان بعدالة قضيتها ومن خلال فهم حاجاتها وان لا نفرط في حقها في التنظيم و تاليف منظماتها السياسية وغير السياسية " . واستطاع النضال الجماهيري بعد ثلاثة عشر عاما ان يحول ميثاق العمل الوطني الى واقع معاش بعد انبثاق ثورة الرابع عشر من تموز. اما العامل الثاني فهو مرتبط " بمواقف الكتل والاحزاب والقوى السياسية وقدرتها على تجاوز انانيتها ومصالحها الضيقة وامكانية توصلها الى برنامج واقعي ملموس لاخراج البلاد من ازمتها " واعتقد ان التعويل على هذه الامكانية لحل الاشكالية العراقية امر مشوب بالكثير من الشكوك لان تجربة ثمان سنوات اثبتت عجز تلك القوى على الاتفاق على مثل هذا البرنامج ارتباطا بعوامل عديدة ترتبط بطبيعة الصراعات بين هذه القوى واختلافاتها المتعلقة باختلاف رؤاها نتيجة تنوع مرجعياتها الفكرية و التي تتقاطع في كثير من الاحيان مع مفاهيم مثل الدولة المدنية والتعددية والفدرالية وحقوق الاقليات وتبادل السلطة الخ اضافة الى تدخل العامل الاقليمي والدولي الذي تحول الى عامل مؤثر لا يقل تاثيرا عن العوامل الداخلية .
ان التشخيص السابق لطبيعة المرحلة الراهنة هو استمرار لما خرج به المؤتمر الثامن من تشخيصات زكتها الحياة بعد مرور اكثر من اربع سنوات على عقده . ولكن المسودة خلت من قضايا اساسية تساعد على فهم المتغيرات الجوهرية التي حصلت خلال السنوات الاربع الماضية حيث تواجهنا اسئلة كثيرة مثل :
• ما الذي حصل على اللوحة الطبقية منذ المؤتمر الثامن ؟ هل ما زالت "خريطة القوى الطبقية والاجتماعية قيد التشكل " ؟ كما جاء في وثائق المؤتمر الثامن، الم يتعزز دور الكومبرادور والشرائح الطفيلية والبيروقراطية ( العسكرية والمدنية ) في عملية تشكل اللوحة الطبقية ؟ هل ما زالت الفئة الوسطى تعاني من التهميش بعد ارتفاع رواتب الموظفين والضباط واجور الاطباء والمحامين وانتشار التعليم الاهلي والمستشفيات الخاصة ؟ هل لدينا معطيات واضحة عن الطبقات والفئات المهمشة وانعكاس اوضاعها على ارتفاع نسب الفقر والبطالة والتسرب من التعليم والامية وارتفاع معدلات الجريمة و كيف نوفق بين " حجب الصلاحيات عن مؤسسات الدولة وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه " الوارد في وثائق المؤتمر الثامن وبين تعاظم دور الدولة العراقية الريعية الخدمية في قيادة العملية الاقتصادية الاجتماعية كما جرى ويجري بغض النظر عن الكيفية التي تجري بها تلك العملية ؟ ، اين وصلت " عملية تكييف الاقتصاد العراقي وتحضيره لمرحلة جديدة تسمح بدمجه في الاقتصاد العالمي" ؟
• لم تتطرق المسودة الى قضية مهمة جدا ولها علاقة مباشرة في رسم سياسة الحزب وهي : ما هو التناقض الاساسى في هذه المرحلة وماهو التناقض الرئيس وما هي التناقضات الثانوية ؟ من المعروف ان انهاء الاحتلال العسكري واضعاف الارهاب غير لوحة التناقضات التي تترتب عليها سياسات وتكتيكات جديدة .
• ورد في المسودة تشخيص مهم جدا اخر وهو " ان محور الصراع المحتدم هو التنافس على السلطة والثروة والقرار وعلى تحديد شكل الدولة الجديدة ومضمونها " وهذا يفرض علينا تحديد علاقة التحالف المهيمن بالمشروع الاقتصادي الذي حدده التقرير السياسي للمؤتمر الثامن ب " تسعى بعض الاطراف الداخلية والخارجية لدفع البلاد سريعا على طريق اقتصاد السوق المنفلت عبر ازالة الضوابط و حجب الصلاحيات عن مؤسسات الدولة وفتح الاقتصاد العراقي على مصراعيه وتهيئة الاجواء لفرض ايديولوجية الخصخصة دون قيد او شرط " ، لا حاجة لاثبات ان التحالف المهيمن نجح في مهمته هذه الى حد كبير ، فالتحالف المهيمن من جهة غير قادر على بناء دولة مدنية ديمقراطية ارتباطا بصراعاته الداخلية والتدخلات الاقليمية و الدولية ولذلك ابقى العراق في حالة من الفوضى المستمرة والفساد المستمر و من جهة اخرى يسعى بحكم المصالح الطبقية الى تعميق تبعية العراق للراسمال العالمي ومنظماته الاقتصادية ولا يمكنه ان يساهم في " الطريق الى تنمية مستدامة " تعتمد " ستراتيجية واضحة المعالم لتوظيف الامكانيات كافة لانتشال البلد من تخلفه وتبعيته الاقتصادية ليحقق لشعبنا مستوى معيشيا وثقافيا لائقا " . ان ما يجري على ارض الواقع هو تكريس التبعية الاقتصادية وليس تحقيق الاستقلال الاقتصادي .
• اظن اننا امام طور جديد في هذه المرحلة الانتقالية اتضحت فيها القوى التي تؤمن حقا بالمشروع الوطني من القوى التي تعزف عليه لتحقيق اهداف تتقاطع معه وليس امام الحزب والشعب سوى العمل الجماهيري وبالطرق السلمية طريق – رغم وعورته- لانقاذ العراق من الوضع المعقد الذي يعيشه . اما التعويل على تحول في قناعات هذه القوى من خلال تبديل النوايا وتجاوز الانانية والمصالح الضيقة فلن يجد له اذانا صاغية.
لم اجد في المسودة ما يشير الى التضليل الايديولوجي ودوره في تمرير الكثير من المفاهيم والمشاريع والقوانين وتشويه مفاهيم اخرى ، فمثلا جرت صياغة قانون الانتخابات بطريقة تبعد عددا من الاحزاب والقوى عن البرلمان بحجة تضليلية وهي ان وجود القوائم قليلة التمثيل ادخل البرلمان السابق في صراعات كثيرة واقتصار البرلمان على القوائم الكبيرة سيسهل عمل البرلمان وتجربة السنتين من البرلمان الحالي المنتخب على اساس القانون الجديد اثبتت خطل تلك الحجة التضليلية الواهية اذ لايمكن فصل تعمق الازمة الحالية عن النتائج التي خرجت بها تلك الانتخابات ، كما جرى تبرير التوجه لاقتصاد السوق المنفلت على اساس انه القوة السحرية التي ستنقذ العراق من التخلف الذي سببه القطاع العام والتخطيط المركزي الخ وتجربة السنوات الثمان تكفي دليلا على مانتج عن ذلك التوجه من تحطم القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية وتدني الخدمات وارتفاع نسبة الفقر والبطالة لمديات كبيرة وزيادة تسرب الطلبة وارتفاع نسبة الامية الخ .
في الفقرة ( 11 ) من المسودة وردت عبارة " لذا من الضروري التوجه نحو اصلاح حقيقي للجهاز الاداري وترشيقه " ولم تتناول المسودة الطريقة التي يتم فيها الترشيق ، ومن المعروف ان غالبية الدول الريعية تلجا للبطالة المقنعة لتخفيف التوترات الاجتماعية رغم ان اجور تلك التعيينات غير الضرورية تشكل عبئا على الموازنة المالية . ان اخر احصائية لعدد العاملين في قطاع الدولة هو اربع ملايين مواطن .
في الفقرة (30 ) وردت عبارة غير واضحة من حيث الصياغة وتحتاج الى تغيير فيها " و ليس من يجهل منطق الارهاب والارهابيين ولا من يتوقع ان يلقوا اسلحتهم اختيارا " .
في الفقرة ( 71 ) وردت احصائية اليونسكو للامية ( 20% ) في حين تشير احصائية وزارة التربية الى ( 25% ) .
في الفقرة (89 ) وردت عبارة ان " مشروع الموازنة السنوية الذي يقدم كل عام منذ التغيير ، لا ترافقه حسابات ختامية وتقويم شامل لموازنة السنة السابقة ، للمبالغ التي خصصت للانفاق في اطارها ومدى الانفاق الفعلي ، للانجازات والاخفاقات ، للمبالغ المدورة ، لارصدة العراق الاحتياطية في الداخل والخارج وغير ذلك " دون ان تتطرق المسودة الى الاسباب الحقيقية وراء ذلك وهي قضية مهمة جدا لها علاقة بخطاب الحزب .
في الفقرة ( 111 ) بشأن الفساد المالي والاداري وردت عبارة " يتوجب العمل على تحديد مداه وعمقه ومفاصله لكي يمكن وضع خطة عملية للهجوم على مواقعه وتطويق شروره وحصر نفوذه وتاثيره ) . اكدت الدراسات على ان الفساد المالي والاداري ليس ظاهرة اخلاقية، فالمفكر سمير امين اشار الى ان الفساد المالي هو جزء من التركيبة البنيوية لعولمة نمط الانتاج الراسمالي ، وان ما جرى ويجري لا ينفصل ابدا عن عملية اعادة تشكيل اللوحة الطبقية بما يخدم " الاصلاحات الهيكلية " التي جاء بها مشروع الخصخصة واقتصاد السوق .