|
الثلاثاء, 03 أيار/مايو 2011 09:50 |
|
صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة الكتاب الثالث لمحمد علي محيي الدين في 2011،بعد كتابيه (أضواء على عملية الهروب من سجن الحلة) عام 2010و(دليل الإتحاد العام للشعراء الشعبيين) عام 2011، عن الدار نفسها .
يقع (كاظم الجاسم ودوره في الحركة الوطنية) في 171صفحة ومن الحجم الكبير، تصدرته صورة الشهيد كاظم الجاسم بالزي العربي وأخرى باللباس الغربي عندما كان في موسكو لغرض الدراسة الحزبية.
وقسم الكاتب مؤلفه على ثلاثة أقسام، بدلا من ثلاثة فصول كما يقتضيه منهج البحث العلمي. لأن القسم الذي أورده لا يضم فصولا وبالتالي لا يشكل سوى فصل وبدأه بمقدمة تناول فيها الدور النضالي للشهيد في منطقة الفرات الأوسط، حيث يعد أحد أعلامها بما يتسم به من روح جهادية عالية يفتقر إليه الكثيرون على حد تعبير الكاتب، الذي - فضلا عن خزين ذاكرته- أشار إلى مصادر معلوماته معتمدا على مجايليه من الرفاق ومنهم : (جاسم حسن صلال – صهر الشهيد ورفيق دربه – وسامي عبد الرزاق، وعبد زيد نصار، وتركي الهاشم، جليل حسون عاصي ، وسعد الغريباوي ، جاسم الحلوائي ، عدنان عباس وأخيرا نجل الشهيد الرفيق توفيق الذي وضع بين يدي الكاتب ما جمعه عن والده من وثائق ومعلومات ... واعتمد على المراجع الآتية: (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي) بأجزائه الثلاثة لعزيز سباهي، و(الحلة في العهد الجمهوري الأول 1958-1968) لعبد الرضا عوض، وكتاب (تاريخ الأحزاب والجمعيات السياسية في الحلة) لعامر تاج الدين.
وقد عد الكاتب هذا الجهد بداية لمن يريد التوسع ... وأرى أن الكاتب تناول جانبا مهما من تاريخ الحزب الذي هو عصي على التوثيق ، لما يتطلبه من دراسة شخصيات مناضلة، مرموقة في تاريخ الحزب، لم يجر توثيق دورها السياسي، بسبب استشهادها أو موتها ومعها كثير من المعلومات والحقائق ، وضياع الكثير من الوثائق الحزبية بسبب الملاحقات، والعمل السري الذي امتد سنوات طويلة من تاريخ الحزب ... ورغم أن الكاتب انتقد الرفاق الذين أخفقوا في مساعدته وشكك في وجود أرشيف حزبي ، إلا أنه اعتمد على جهد الرفيق عزيز سباهي الذي أشاد في مقدمة كتابه بمساعدات الرفاق وما قدموه له من وثائق مهمة لولاها – على حد تعبيره – لما خرج كتابه إلى النور. تبقى عملية البحث في تاريخ الحزب قضية إبداعية، ومن الخطأ الفادح أن تتم بقرار سياسي ، وحسنا فعل الحزب حين ترك هذه المهمة للباحثين وللدراسة الموضوعية بعيدا عن الهيمنة والسيطرة الحزبية المركزية، لأن ظروف الحزب الداخلية والخارجية تجعل السبيل الأفضل لكتابة تاريخ الحزب هو الجهد الشخصي سواء أكان فرديا أم مشتركا، وعلى هذا النهج خرجت كتب قيمة ومذكرات كثيرة ، وهذا ما يؤكد القاعدة التي أشرت إليها ، وعلى الرغم من أن كتبا ظهرت شوهت جوانب من الحقائق لأسباب تتعلق بمواقف أصحابها أو بتوجيه من السلطات المعادية للحزب ، يقابلها الكثير من البحوث المنصفة والحريصة، تلك التي التزمت الحيادية والمنهج العلمي الموضوعي في دراستها ، ويمكن القول أن جهد محمد علي محيي الدين يصب في هذا الاتجاه النبيل ...
تناول الكاتب في قسمه الأول: ( البدايات الأولى للحركة الشيوعية في الحلة) وأشار إلى أن بداية وجود الفكر تعود إلى 1935، وإلى صدور مجلة الحكمة ذات التوجه الماركسي بعد تعطيل جريدة الحزب المركزية "كفاح الشعب"، وإن أحد الرواد (جاسم العنيبي ) انتمى للحزب عام 1938 والموسوعة السرية الصادرة عن مديرية الأمن العامة عام 1949 تشير إلى أسماء يمثلون الرعيل الثاني من التنظيم الشيوعي في الحلة.
ثم تناول :( كاظم الجاسم – النشأة والبداية) وذكر أن الشهيد (أبو قيود) منذ أن انتمى للحزب بسن مبكرة أوائل الأربعينيات، كان رفيقا بارعا في التنظيم ، جماهيريا، ومن مآثره الكثيرة يذكر نقله لمطبعة الحزب من الحلة إلى بغداد عام 1964 مشيا على الأقدام عبر الطرق الريفية بعد أن كبست مطبعة الحزب في بغداد، وصارت قريته (البو شناوة) المكان الآمن للرفاق الفارين من قمع الأنظمة الرجعية.
وذكر الكاتب أمثلة نيرة عن دوره في اتحاد العام للجمعيات الفلاحية، والتنظيمات الحزبية في الريف، وتدرج حزبيا حتى أصبح من القادة البارزين في منطقة الفرات الأوسط ، ولتأثيراته الكبيرة، جعله البعث هدفا رئيسا من أهدافه، وسخر إمكانيات كبيرة للإيقاع به ، لكن الشهيد كان يمتلك القدرة والقابلية على التخفي، مما فوت فرصا على العدو وأفشل خططه،على الرغم من كل الأجهزة التي يمتلكها ... ولم يتمكن منه إلا بعد أن سقط أعز أصدقائه ورفاقه – كما يذكر الكاتب – هو (مهدي السهيل) الذي أوشى به ، فجاءت قوة كبيرة وطوقت بيت مهدي واعتقلته ويروي الكاتب روايتين حول الطريقة التي استشهد بها ، الأولى قتل بالمكان نفسه الذي قتل فيه الشهيد محمد الخضري، والأخرى : قيل أنه استشهد أثناء التعذيب في قصر النهاية، ولدي معلومة لم يذكرها أحد وهي نقلا عن أحد أصدقاء طفولتي، وكان وقتها جنديا في قصر النهاية أكد لي أن كاظم الجاسم انتحر في السجن حفاظا على المعلومات الحزبية التي في حوزته،وربما للتخلص من التعذيب القاسي الذي كان يتعرض إليه ، لم أصدقه وقتها لأنه كان ينتمي لحزب البعث ، وقلت له هذا جزء من الدعاية التي تريد السلطة ترويجها ... لكنه أصر وأخبرني أن الانتحار تم بواسطة موس حلاقة زودته به بعد إلحاح منه. ولا زلت غير مصدق هذه الرواية . لكنها تبقى معلومة، لا بد من ذكرها. وكيفما كانت طريقة استشهاده، فلقد ضحى الشهيد بحياته دون أن يعرض لقب الرفيق لأي شائبة ، لم يتنازل ولم يفرط بأي سر من أسرار الحزب ، واستقبل الموت بشجاعة الشجعان الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبوابه ...
في القسم الثاني من الكتاب يذكر مجموعة من شهادات رفاق وأصدقاء معاصرين للشهيد كاظم الجاسم نثرا وشعرا يتقدمها شهادة الرفيق حميد مجيد موسى سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، ومعن جواد، جليل حسون عاصي، عدنان عباس، د.زاهد محمد زهدي، قصيدة شعبية للشاعر جلال السيد مكي، وقصيدة لابنته أسرار كاظم.
وتطرق الكاتب إلى والدة الشهيد (حظية جدي أم كاظم) وكانت يطلق عليها لقب (الأم) و(أم الشيوعيين) وأشاد بدورها في دعم نضال ابنها الوحيد ورفاقه، كانت تسكن معهم في البيوت السرية. وكتب عن دور زوجته ( زهرة عباس أم قيود ) التي كانت تلقب بأم المناضلين. وأفرد حيزا لولده الشهيد قيود الذي قاوم مقاومة عنيفة بالسلاح أزلام السلطة ومرتزقتها ولم يستسلم إلا بعد أن نفدت ذخيرته، بعد أن أوقع خسائر كبيرة بصفوفهم، وتم اعتقاله مع جميع أفراد العائلة رجالا ونساء وتعرضوا لأنواع التعذيب وبعد ذلك حكموا على قيود كاظم الجاسم بالإعدام رميا بالرصاص في 7/ 12/ 1988 .
ولكي تكتمل صورة هذه العائلة المناضلة، كتب عن الدور النضالي لعائلة (علي قنبر الشيوعية) التي صاهرت عائلة الشهيد كاظم الجاسم.
أفرد الكاتب حيزا لدور الراحل عزيز شريف حينما كان وزيرا للعدل بعد انقلاب 1968 ومحاولاته لإطلاق سراح كاظم الجاسم أو مساعدة عائلته في العثور عليه عندما أعتقل وغيب دون أن يعرف له أثر.وهي شهادة نجله (توفيق كاظم الجاسم ).
وأفاد الكاتب من الحاج سعود المشهد والد الشهيد أنور وأب لعائلة مناضلة بنينا وبناتاً وكان بيته وكرا للمناضلين أيام الأزمات فضلا عن نشاطه في الجمعيات الفلاحية وكانت تربطه بالشهيد كاظم أواصر صداقة متينة.
واستعرض الكاتب سير قادة آخرين في الفرات الأوسط ، لا يوجد رابط كبير بينهم وبين الشهيد (أبو قيود) موضوع الكتاب الرئيس ، وهذا خروج عن منهج البحث، وما قرأته عن الشهيد الباسل طالب باقر يؤكد هذا القول الرابط الوحيد هو إشرافه على توزيع بيان يدين اعتقال المناضل كاظم الجاسم. في حين أن سيرة (الشيخ أحمد عبد الله ، الشيوعي الأصيل) لم يتطرق إلى علاقته مع الشهيد (أبو قيود)، على الرغم من أن الحديث يدور في فلك تلك المرحلة. وتناول شخصيات أخرى (عبد زيد نصار ، حمزة عبد الرضا الغريباوي ولطيف عبد هويش، والشهيد عبد الحسن هادي فرحان الدبي ( أبوسلام) وأخاه الشهيد عبد الحسين ، والشهيد هادي حسين عودة الجيلاوي . وكانت تعريفات بهؤلاء الشهداء وليست (ذكريات رفاق الدرب)كما أراده الكاتب أن يكون موضوع القسم الثالث الذي سقط عنوانه من المتن في الطباعة.
ومهما تكن الأخطاء الواردة على مستوى المنهج واللغة والطباعة ، فان هذا الجهد يعد مبادرة قيمة لتوثيق حياة ونضال نخبة طيبة وعملاقة من أبناء الوطن بما بذلوه من تضحيات جسام وصولا إلى أقصى حالة الجود حين قدموا أرواحهم قربانا للوطن والشعب فاستحقوا منا التكريم والإجلال والعهد على مواصلة الدرب على خطاهم حتى يتحرر الإنسان العراقي من القيود بمعانيها المتعددة، ويشمخ البلد بأبنائه النجباء وهم يشيدون صرح وطنهم الراقي المتحضر المزدهر السعيد .
|