ديون العراق الخارجية وكيفية اطفائها الحلقة (2) / د. عودت ناجي الحمداني PDF طباعة أرسل إلى صديق
الخميس, 02 شباط/فبراير 2012 17:52

 خصائص ديون العراق الخارجيةalt

ان التشخيص الدقيق لطبيعة ديون العراق الخارجية امر ضروري وحيوي لمعرفة فيما اذا كانت تتطابق مع معايير الاقراض الدولي وتلبية متطلبات العراق الملحة الى التنمية الاقتصادية وتحديث الاقتصاد العراقي لتحقيق الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ام ان هذه القروض ضلت طريقها واستخدمت في مشاريع عدوانية ولأهداف غير انسانية. وبالتالي فان العراق غير ملزم بسدادها باعتبارها ديونا كريهة بذمة النظام السابق.

ان ديون العراق الخارجية التي ترتبت على النظام البائد تحمل كافة الخصائص التي تجعل الاقتصاديون يضعونها في خانة الديون الكريهة , او الديون القذرة . وذلك : 1-

من الثابت ان النظام البائد استخدم القروض التي استدانها بشروط صعبة لتمويل حربه مع ايران وانتهت باحتلال الكويت عام 1990 . كما استخدمها في تطوير اجهزته البوليسية وتضخيم ترسانته العسكرية . ولم يستثمرها في مشاريع التنمية التي كان العراق بأمس الحاجة اليها . فقد انفق النظام على الحرب العراقية الايرانية اكثر من 94 مليار دولار وخسائر في عائدات النفط 55,5 مليار دولار وخسارة في الناتج المحلي 26,2 مليار دولار. و تراجع الانتاج النفطي من 3,200 مليون برميل في اليوم الى 140 ألف برميل عام 1980 , و ازدادت نسبة النفقات العسكرية الى العائدات النفطية بنحو 146,6/ في عام 1983.

 

2- ان الديون التي تطالب بها البلدان الخليجية ليس لها أي توثيق رسمي كديون مستندية وانما قدمت للنظام السابق كمنح ومساعدات مالية في اطار التضامن العربي لتدعيم موقفه العسكري وتامين حماية حدودها لدرء التمدد الايراني. وبالتالي فهي ليست ديونا ولم تمنح للنظام وفقا لشروط الدين الخارجي .

3- ان الدول الاجنبية والخليجية التي قدمت القروض السخية للنظام البائد تعرف جيدا طبيعته العدوانية بكونه نظاما شموليا غير منتخب يمارس كل اشكال القمع على شعبه . وبالتالي فان هذه القروض لم ينتفع منها المواطن العراقي وانما تحمل تبعاتها كضرائب وفقر وارتفاع اسعار وجوع وبطالة وتدهور في الخدمات وما شابه ذلك.

4- ان النظام البائد في الموقف الدولي هو نظام همجي واستبدادي من طراز الدكتاتوريات الفاشية . وقد اغرق العراق بمديونية ضخمة لتحقيق اهدافه الخاصة التي تتعارض مع اهداف و مصالح الشعب .وبالتالي فأن كل ما يترتب عليه من التزامات فان الشعب العراقي غير معني بها.

5- اسهمت القروض الخارجية في تشجيع النظام الدموي وتماديه على مواصلة حربه على شعبة وعدوانه على البلدان المجاورة و تحديه للقرارات الدولية.
6- ان الدول الغربية والخليجية ورطت النظام البائد بمديونية بغيضة دون أي اعتبار لقدرة النظام على الوفاء بها ودون اية اعتبارات لأهداف النظام الحقيقية المتوخاة من القروض بهدف استخدام الديون ذريعة للتدخل في شؤون العراق الداخلية .

وبذلك استخدمت الدول الغربية المديونية الخارجية كأداة للضغط على العراق و التدخل في شؤونه الداخلية ومصادرة قراره الوطني بإجبار النظام على تطبيق شروط صندق النقد الدولي المخلة بمصالح البلد الوطنية لتحقيق مصالح الدول الرأسمالية .

ومما لا شك فيه ان البلدان الخليجية التي قدمت الاموال لدعم النظام في الحرب العراقية الايرانية والمقدرة بنحو 60 مليار دولار تدرك جيدا انها قدمت الاموال كمنح غير قابلة للسداد لا نها ثمنا لمكافاة حليفها الستراتيجي الذي يقاتل بالنيابة عنها لحمايتها حدودها . ولهذا يتوجب عليها اعلان شطب هذه الديون دون قيد او شرط والتخلي عن المطالبة بسدادها , ويجب ان تدرك هذه البلدان قبل غيرها ممن وقعت في خداع النظام , انها قدمت الدعم لإنقاذ النظام ولم تقدمه لمساعدة الشعب العراقي , ومن الافضل لها ان تكسب ود العراقيين بدلا من ان تغضبهم .

فمن المتوقع ان يكون العراق مستقبلا سلة غذاء المنطقة وربما يابان العرب في العلم والتكنولوجيا . ولهذا فعلى الدول الخليجية ان تعيد حساباتها التي لم تزكها الحياة .

فالبلدان الخليجية والبلدان الامبريالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية هي التي دفعت الطاغية لشن حربه المجنونة وامداده بالمال والسلاح لتوريط كل من النظام العراقي والايراني في حرب قذرة لخدمة المصالح الغربية بتحويل البلدين المتحاربين الى اسواق مستهلكة للأسلحة الغربية.

فقد بلغت تكلفة الحرب على الدولتين المتحاربتين اكثر من 416 مليار دولار واضطر العراق لتغطية النفقات العسكرية بالقروض الخارجية. وهو احد اهداف البلدان الغربية لتوريط النظام بديون بغيضة لتحقيق المكاسب الخيالية من الفوائد والاقساط التي تجنيها سنويا.


ويتضح من ذلك ان القروض الغربية والخليجية لم تنفق في العراق على مشاريع التنمية الاقتصادية والبشرية وانما استخدمت من قبل النظام لتحقيق اهداف لا انسانية ومضرة بمصالح الشعب وبذلك تصبح قروضا غير مشروعة من الناحية القانونية الاخلاقية. و الديون المتراكمة على النظام ديونا كريهة (odious debt) و قذرة في الفقه الدولي ويصبح من حق الحكومة العراقية المنتخبة التنكر لهذه الديون ورفض سدادها لان هذه الديون قدمت لدعم نظام استبدادي اضطهد شعبه واستخدم القروض لشن الحروب وتعزيز دكتاتوريته الدموية. وان هذا التوجه ينسجم مع القانون الدولي ومبادي الامم المتحدة. فالأمم المتحدة تؤكد (ان الدين الكريه لا يتطلب الإلغاء او اعفاء البلد المدين لأنه دين باطل ويعتبر دين بذمة النظام السابق ). وبالنسبة الى القانون الدولي يصف الدين الكريه بأنه ( اذا عمدت سلطة مستبدة الى الاستدانة ليس لحاجات الدولة ومصالحها وانما لتقوية نظامها الاستبدادي وقمع السكان اللذين يقاتلونها يكون الدين كريها) وهذا ينطبق تماما على حالة العراق .

فالنظام الصدامي نظاما لم ينتخبه الشعب وهو نظام ديكتاتوري ودموي واستبدادي. وانطلاقا من هذا التوصيف الذي ينسجم مع التوصيف الدولي فان المديونية الخارجية للعراق تعتبر مديونية ملغاة ويجب على الدول الدائنة اسقاط ديونها المترتبة على العراق بسقوط النظام الصدامي الذي يمثل السلطة المستبدة . فالديون الكريهة لا يكون لها استحقاق طالما تقوم على اهداف لا انسانية و على اهداف غير مشروعة .

وبناءا على هذه الحقائق التي يقرها القانون الدولي ومبادئ الامم المتحدة تستطيع الحكومة العراقية المطالبة بشطب الديون الخارجية المترتبة على النظام السابق واعتبارها ديونا ملغاة ورفض تعويضات الحرب التي اقرتها لجنة العقوبات الدولية ومطالبة الجهات الدولية الدائنة التي مولت النظام الدموي بالقروض والسلاح بدفع تعويضات مالية عن الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بالعراق.

وعليه فان العراق يملك كافة المبررات القانونية والاخلاقية التي تؤكد عدم شرعية ديون الانظمة القمعية. ويمكن الاستفادة من تجارب الدول التي اعلنت تنكرها لديونها الخارجية ورفض سدادها ومنها .
1- رفض الاتحاد السوفيتي الوفاء بديونه الخارجية القائمة على الحكومة القيصرية قبل ثورة اكتوبر عام 1917 واعتبر هذه الديون مساعدة من البرجوازية الدولية للحكومة البرجوازية في روسيا القيصرية واعلنت الحكومة السوفيتية رفض سداد كافة الديون الخارجية المترتبة على حكومة القيصر..
2- رفضت الولايات المتحدة الامريكية الديون الخارجية المترتبة عليها لالمانيا وبريطانيا بذريعة انها هذه القروض قدمت لتمويل الحرب الاهلية في امريكا.وساهمت في اطالة امد الحرب ..
3- اعلنت كوبا الثورية رفضها سداد ديونها الخارجية التي استدانتها اسبانيا باسم كوبا عام 1898 .
4- اقدمت دولة جنوب افريقيا على اعلان رفض سداد ديونها المتربة على النظام العنصري.
وانطلاقا من هذه الرؤية نرى ان الدفاع عن المصالح الوطنية والاستقلال واستئناف مسيرة التنمية الاقتصادية واعادة البناء والاعمار تتطلب من الحكومة العراقية المنتخبة رفض سداد الديون والتعويضات المترتبة على النظام البائد واعتبارها معونة مالية مقدمة من الدائنين الدوليين لحليفهم الستراتيجي صدام حسين الذي قدم لهم خدمات جليلة لمصالحهم الاقليمية والدولية في المنطقة وان تطالب الدول الاجنبية والخليجية التي قدمت القروض والدعم المالي والعسكري للنظام بدفع تعويضات مالية للعراق .

ومن المفيد ان نشير ان العراق بعد عام 2003 اتخذ حزمة من الاجراءات المهمة لتغيير النظام الاقتصادي وتحوله نحو اقتصاد السوق للسير في طريق النظام الرأسمالي وهو التوجه الذي ينسجم مع ايديولوجية الاحزاب البرجوازية القابضة على السلطة السياسية وطبيعتها الطبقية كما ان هذا التوجه هو استجابة لتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي .
الحلقة 1