|

يواجه الاقتصاد العراقي تحديات كبيرة في مقدمتها مشكلة الدين الخارجي وانخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الاجنبية والتدهور الفظيع في الانتاج الزراعي والصناعي وانعدام الخدمات اليومية كماء الشرب النقي والكهرباء والنقل، وخدمات الصحة والتعليم والاسكان وغير ذلك من الخدمات الاساسية. والتحدي الاصعب هو الفساد الاداري والمالي والاخلاقي الذي يضرب اطنابه في بنية اجهزة الدولة العراقية.ورغم انفاق مئات المليارات من الدولارات منذ سقوط النظام الصدامي في التاسع من نيسان عام 2003 فأن العراق لم يحقق أي انجاز استراتيجي او نوعي في أي قطاع من قطاعات الدولة .
فقد قدر رصيد العراق الاحتياطي من الذهب والعملات الصعبة في عام 1971 بين 34 و37 مليار دولار، استنزفه النظام البائد في تمويل حربه التي استمرت ثمان سنوات مع ايران. وقد بلغت نفقات العراق العسكرية بين عام 1981و 1988 اكثر من 94 مليار دولار وخسائر في وارداته النفطية بنحو55،5 مليار دولار وخسارة في ناتجه المحلي بأكثر من 26 مليار دولار. مما اجبر النظام لطلب القروض الاجنبية من البلدان العربية و الاجنبية و المؤسسات المالية الدولية لتغطية نفقاته الحربية والتعويض عن النقص في عملاته الصعبة اللازمة لتعزيز جبهة الحرب . وقد ادى ذلك الى تراكم ديون ضخمة على النظام .
وتقدر الامم المتحدة ديون العراق الخارجية بأكثر من 383مليار دولار في عام 1991 بين تعويضات حرب وقروض وعقود منها 57 مليار دولار عقود ملزمة و127مليار دولار قروض اجنبية و 320 مليار دولار تعويضات للدول والشركات والافراد المتضررين من حرب النظام .
وبحسب وزارة مالية العراق فان ديون العراق الخارجية حتى عام 2004 تقدر بنحو 130مليار دولار تعود معظم هذه الديون الى دول نادي باريس ودول خارج نادي باريس ودول الخليج العربي ودائنين تجاريين .
والمشكلة الاساسية في ديون العراق الخارجية هي ديون البلدان الخليجية التي لا يوجد لها توثيق رسمي كقروض مستندية ولم تعرف فيما اذا كانت ديونا رسمية ام مساعدات مالية للنظام المقبور .
فقد صنف العراق خلال الفترة بين عام 1980 و 2003 من البلدان الأكثر مديونية بالعالم . وقد قدر صندوق النقد الدولي مديونية العراق الخارجية التي تراكمت على النظام السابق بسبب حروبه الخارجية واحتلاله لدولة الكويت بنحو 450 مليار. موزعة كالاتي :
320- مليار دولار تعويضات للمتضررين من حرب النظام البائد .
120 مليار دولار ديون دول نادي باريس .
60 مليار دولار ديون الدول الخليجية .منها :
25 مليار دولار للعربية السعودية.
12،5 مليار دولار للكويت.
17،5 لبقية البلدان الخليجية. (1)
وقد وصل للجنة التعويضات الدولية 2686 طلبا للتعويض بلغت قيمتها 352 مليار دولار وتمت الموافقة على طلبات تعويض بلغت 52،4 مليار دولار. سدد منها العراق حتى عام 2008 اكثر من 25 مليار دولار.
و صادقت لجنة التعويضات على تعويض الكويت 41،3 مليار دولار من الاموال العراقية محسوبة على اساس 12،5 مليار دولار تعويض خسائر الصادرات النفطية التي توقفت بسبب الاحتلال العراقي و21،5 مليار دولار تعويض عن تدمير منشآت النفط وتعويض800 دولار في الشهر لكل عامل اسيوي توقف عمله بالكويت بسبب الاحتلال العراقي عوضا عن راتبه المحدد رسميا بعقود العمل بمئة دولار فقط .
وقد سدد العراق حتى عام 2008 اكثر من 25 مليار دولار من قيمة التعويضات . استلم الكويت منها اكثر من 11 مليار و165 مليون دولار والباقي لشركات خاصة وافراد من دول عربية واجنبية . (2)
ووفقا لوثائق وزارة المالية العراقية والبنك المركزي العراقي والمذكرات التي قدمتها الحكومة العراقية الى الامم المتحدة قبل سقوط النظام ، فان ديون العراق الخارجية بلغت 47،1 مليار دولار على النحو الاتي :
22،6 مليار دولار ديون الدول الصناعية الغربية
16،5 مليار دولار ديون كتلة الدول الاشتراكية
3،8 مليار دولار ديون البدان العربية غير الخليجية
0،9 مليار دولار ديون المنظمات الدولية
جدول رقم (1)
ديون العراق الخارجية في عام 2003
الجهات الدولية الدائنة مليار دولار
الدول المتقدمة 22،6
الدول الاشتراكية 16،5
الدول العربية غير الخليجية 3،8
الدول الخليجية 40
المنظمات الدولية 0،9
المجموع : 47،1
الجدول من اعداد الباحث
غيران الجهات الدولية الدائنة بعد سقوط النظام استغلت ضعف الحكومة الجديدة والفوضى التي خلقها الاحتلال و طالبت بديون ضخمة اكثر من الديون الحقيقية المثبتة في الوثائق المتداولة بين
حكومة العراق السابقة والدائنين الدوليين بحيث انتقل حجم مديونية العراق الخارجية من 47،1 مليار دولار الى اكثر من 142 مليار
دولار. فقد ارتفعت ديون نادي باريس من 22،6 مليار دولار الى 42 مليار دولار ، وديون الدول الاشتراكية من 16،5 مليار الى20 مليار دولار ،وديون الدول الخليجية من 40 مليار دولار الى 60 مليار دولار، وبلغت ديون المصارف التجارية الخاصة 20 مليار دولار جدول رقم (2)
جدول رقم (2) يبين الجهات الدولية الدائنة في عام 2003
الجهات الدولية الدائنة الدين الخارجي (مليار دولار)
الدول المتقدمة 42
الدول الاشتراكية 20
البلدان الخليجية 60
القطاع الخاص الاوربي 20
المجموع 142
الجدول من اعداد الباحث
ان التناقض الكبير في ارقام ديون العراق الخارجية المقدمة من الجهات الدولية الدائنة بعد سقوط النظام تثير الشك والتساؤل حول مدى صحتها؟
فبالنسبة للبلدان الخليجية التي تطالب بديون قيمتها 60 مليار دولار فهي بالأصل 40 مليار دولار قدمتها لدعم حليفها الستراتيجي في المنطقة صدام حسين على شكل سيولات مالية ومنح ومساعدات في اطار التضامن العربي لتدعيم موقف النظام في حربه مع ايران، ولم تقدم هذه الاموال كقروض مستنديه وفق شروط الاقراض الدولي . فالدين السعودي على النظام السابق هو قيمة صفقة طائرات فرنسية للعراق قامت بتسديد ثمنها السعودية لدعم جهود حرب النظام مقابل حمايته للدول الخليجية من التدخل الخارجي.
ان المفاوضات التي جرت بين حكومة العراق والجهات الدولية الدائنة توضح بجلاء الموقف الضعيف للمفاوض العراقي اذ لم يطلب من الدول والمنظمات الدائنة التي قدمت القروض والاموال للنظام السابق ان تتنازل عن ديونها لان القانون الدولي يضمن حق العراق في رفض سداد الديون التي تراكمت على النظام السابق بكونها ديون كريهة. ولم يحمل المفاوض العراقي الدول والمنظمات الدائنة المسؤولية عن الدمار الذي اصاب العراق بسبب مساندتها المالية والعسكرية والدبلوماسية للنظام الدكتاتوري.
فالدول والمنظمات المالية التي قدمت مليارات الدولارات للنظام البائد ساهمت بشكل مباشر في تعزيز نظامه الاستبدادي و مواصلة مشاريعه العدوانية رغم معرفتها بوحشية النظام وطبيعته الدموية.
ان المواقف المرنة غير المبدئية للمفاوضين العراقيين مع الدائنين الدوليين وخصوصا صندوق النقد الدولي شجع الدائنين على فرض شروطهم المضرة بمصالح العراق . فقد اذعن العراق لتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي الجائرة . فبموجب هذه الشروط يصبح العراق سوقا مفتوحه للشركات الرأسمالية ويلتزم بنمط التجارة الحرة ، و يقوم بخصخصة القطاع العام في الصناعة والزراعة والنفط و الخدمات، ومنح الاولية للقطاع الخاص في ادارة النشاط الاقتصادي. ومن الشروط المفروضة على العراق رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية والغاء البطاقة التموينية التي بدأ العراق بتقليص مفرداتها من 12 سلعه الى 4 سلع .
فالشروط الحقيقية لصندوق النقد الدولي التي وافق عليها العراق بذريعة الاصلاح الاقتصادي هدفها الرئيسي تحويل الاقتصاد العراقي من اقتصاد يقوم على التخطيط الى اقتصاد سوق رأسمالي مفتوح تعبث به الشركات الطفيلية .
ونتيجة لموافقة العراق على الالتزام بتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي وافق الاخير على شطب 80% من ديون العراق الخارجية المتراكمة على النظام السابق على ثلاثة مراحل :
المرحلة الاولى شطب 30% بنهاية عام 2004
المرحلة الثانية شطب30 % بنهاية عام 2005 اذا تأكد التزام العراق بشروط صندوق النقد الدولي .
المرحلة الثالثة شطب 20% ويتوقف على حصول العراق على تزكية صندوق النقد الدولي بجديته في تنفيذ الاصلاحات .
و على مدى ثلاث سنوات سوف يعفى العراق من نحو 66.5 مليار دولار من مجمل ديونه الخارجية البالغة 120.2 مليار دولار. وقد اسقط نادي باريس ديونا بقيمة 42.3 مليار دولار بما في ذلك الديون المستحقة لروسيا وقدرها 12 مليار دولار.
وأسقط ديون عدد من الدول غير الاعضاء في نادي باريس بقيمة 8.2 مليار دولار. وتقدر مصادر البنك الدولي الديون الخارجية المتبقية على العراق تتراوح بين 56.6 مليار و 79.9 مليار دولار الى عدد من الدائنين منهم .:
1- نادي باريس.. 7.6 مليار دولار.
2- دول مجلس التعاون الخليجي.. 32.4 مليار دولار الى 55.4 مليار دولار.
3- اتفاقات ثنائية خارج نادي باريس.. 6،46 مليون دولار.
4- ديون أخرى خارج نادي باريس .. 15.9 مليار دولار الى 16.2 مليار دولار.
وهناك عدد من الدول التي بادرت الى اسقاط ديونها بمحض ارادتها و هي الولايات المتحدة.. 4.1 مليار دولار و اليابان.. 6.8 مليار دولار و ألمانيا.. 5.6 مليار دولار و فرنسا.. 5.1 مليار دولار وروسيا.. 12 مليار دولار و ايطاليا.. 2.4 مليار دولار و بلغاريا.. 3.1 مليار دولار و رومانيا 2 مليار دولار وصربيا وسلوفينيا والبوسنة.. 2.2 مليار
ومما يثير المخاوف ان سوء ادارة الدولة وعجزالتخطيط على صعيد السياسة الاقتصادية والادارية قد ادى الى اهدار مليارات الدولارات في مشروعات هامشية لم تساهم في اطفاء بؤرة الديون الخارجية و معالجة التردي في الاوضاع الاقتصادية والخدمية المستفحلة على الاصعدة المختلفة ، ولهذا لجأت الحكومة العراقية الى صندوق النقد والبنك الدوليين لطلب القروض ، وهو توجه خطير لأنه يعيد العراق مرة اخرى الى نفق المديونية المظلم .
المصادر
(1) مصدر الارقام : د.مهدي الحافظ، اجتماع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سنة، 2003 0
(2) مصدر الارقام نشرة لجنة التعويضات الدولية 1993
|