عرض كتاب /الديمقراطية: الأزمة والتجديد / جون غرين PDF طباعة أرسل إلى صديق
الجمعة, 14 كانون2/يناير 2011 23:59

يبدأ بول غينسبورغ بمناقشة الديمقراطية في كتابه المعنون "الديمقراطية: الأزمة والتجديد"، الصادر في 2008، بلقاء متخيل ولكنه قابل للتصديق تماماً بين جون ستيوارات ميل (*) وكارل ماركس. كلا الرجلين يبدي اهتماماً كبيراً بالديمقراطية وحقوق الانسان. يؤمن جون ستيوارت ميل بقوة بالقيم الليبرالية ودور الافراد الأقوياء في مجتمع متغير. وهو يتعاطف مع الاشتراكية لكنه يؤيد فقط حق الانتخاب المشروط (فهو غير مقتنع بمنحه لجماهير البروليتاريا المبتلاة بالجهل والأمية) ويرى ان الزعامة لا يمكن ان تأتي الاّ من نخبة غير منتخبة ولكنها متعلمة. اما كارل ماركس فانه يؤمن بحق الانتخاب للجميع وبديكتاتورية البروليتاريا باعتبارها تمهيداً للديمقراطية الحقيقية. ويشير ميل في هذا اللقاء المتخيل الى إمكان تحقيق التقدم بواسطة "قوة العمل المشترك"، لكنه لا يوضح كيف يمكن ان يتحقق ذلك. ويحاول غينسبورغ، مؤلف الكتاب، ان يلتقط اجزاء صحيحة من كلا الموقفين الفلسفيين لينتج مقاربة جديدة.
ويطرح الكتاب اسئلة من بينها: لماذا فشلت الليبرالية في تحقيق مشاركة أوسع للمواطنين في المجالين السياسي والاقتصادي على السواء، ولماذا تسود حال اللاأبالية السياسية في البلدان المتطورة. ويتساءل كيف يمكن تحقيق المزيد من التقدم في الوقت الحاضر.
لقد اصبحت الديمقراطية هي النموذج السائد عالمياً (بحلول العام 2000، كان 120 من اصل 192 دولة عضوة في الامم المتحدة يمكن أن توصف بشكل عام بأنها "ديمقراطية")، لكن المسألة ليست شأناً كمياً فحسب، بل تتوقف بالأحرى على الجانب النوعي لهذه الديمقراطية. فقد جرى إفراغ الديمقراطية الحديثة من محتواها ويتصاعد التذمر في معظم البلدان. وأحد الاسباب المحورية لهذا الوضع وما يرافقه من تزايد اللاأبالية السياسية يكمن في النفوذ الذي تمارسه الشركات المتعددة الجنسيات على المؤسسات المنتخبة، بالاضافة الى الدور المعادي للديمقراطية والمناهض للتقدم الذي تلعبه الولايات المتحدة على نحو متزايد على الصعيد العالمي.
ويشير غينسبورغ بصواب الى ان الثورة البرليتارية التي دعا لها ماركس والآمال الليبرالية التي عبّر عنها جون ستيوارت ميل كلاهما لم يتحقق. وهو يجادل بأن القوى الاجتماعية الجديدة، او "المجتمع المدني"، أي الحركات الاجتماعية والتنظيمات النقابية وغيرها من جماعات الضغط ذات البنية المرنة، توفر اليوم آمالاً ارحب لتحقيق التقدم. ويقول ان المجتمع المدني يمكن ان يعزز نشر النفوذ بدلاً من تمركزه، وان استخدام الوسائل السلمية بدلاً من العنفية يمكن أن يساعد على بناء علاقات تضامنية أفقية بدلاً من الولاءات العمودية، ويشجع على التسامح والاحساس بالانتماء، ويحفز الجدل واستقلالية القرار بدلاً من التماثل والطاعة.
كما يجادل مؤلف الكتاب بأن أياً من ماركس وجون ميل لم يكن بمقدوره ان يتوقع او يتصور التوسع الكبير في صيغ واشكال المشاركة الموجودة في الوقت الحاضر، على المستوى المحلي والوطني والعالمي. لكنه يلاحظ في الوقت نفسه كيف ان النمو الهائل للرأسمالية ذات النمط الاستهلاكي كان عامل تخدير بالغ التأثير إذ ساعد على ترويج الاحساس بالضعف والهشاشة الذي لعبت الليبرالية الجديدة دوراً كبيراً في خلقه. ويدرك غينسبورغ تماماً النفوذ الخطر الذي تمتلكه الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى في الوقت الحاضر، ويلفت الى ان نفوذها الاقتصادي يفوق ما لدى بلدان كثيرة، ويقر كلياً بأن ماركس ادرك ذلك جيداً قبل ان يبلغ هذا النفوذ ذروته الحالية.
يمثل هذا الكتاب مساهمة قيّمة ومحفزة كثيراً للتفكير في النقاش حول سبل تحقيق مجتمع أكثر مساواة وعدالة، وينبغي ان يقرأه كل من يبدي اهتماماً بالعدالة الاجتماعية.


(*) فيلسوف واقتصادي بريطاني، من رواد الفلسفة الليبرالية.