كلمة الحزب الشيوعي العراقي في الاجتماع العالمي للاحزاب الشيوعية والعمالية PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأربعاء, 22 كانون1/ديسمبر 2010 17:28

كلمة الحزب الشيوعي العراقي في الاجتماع العالمي

للاحزاب الشيوعية والعمالية العالمية المنعقد في جنوب افريقيا

(3-5 كانون الاول 2010)

 alt 

الرفاق الاعزاء 

انقل اليكم أحر تحيات الشيوعيين العراقيين وتمنياتهم بالنجاح لأعمال الاجتماع العالمي الـ12 للاحزاب الشيوعية والعمالية، ليساهم في تعزيز دور حركتنا في بناء جبهة

عالمية في مواجهة العولمة النيوليبرالية والامبريالية، ومن اجل السلام والديمقرطية والتقدم الاجتماعي والاشتراكية.
 

 

ونود التعبير عن تقديرنا وإمتناننا للحزب الشيوعي الشقيق في جنوب افريقيا لاستضافته هذا الاجتماع العالمي، الذي يوفر ايضاً الفرصة لتأكيد تضامننا مع شعوب افريقيا وحركاتها التقدمية في نضالاتها من اجل التحرر والسلام والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن اجل عالم افضل، متحرر من الاستغلال والتبعية والقهر والفقر والجوع والتخلف الاجتماعي والاقتصادي.
 

كما نغتنم هذه الفرصة للتعبير، من هذا المنبر العالمي، عن اعتزازنا وتقديرنا للتضامن الأممي مع شعبنا وقواه الديمقراطية وحزبنا الشيوعي في النضال المتواصل، في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد، من اجل إنهاء تركة الدكتاتورية والاحتلال، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال، وبناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد.
 

الرفاق الاعزاء
 

ان الآثار المدمرة للأزمة المالية العالمية المستمرة التي تعصف بالاقتصادات الرأسمالية، تجعل موضوع هذا الاجتماع العالمي يكتسب ابعاداً متجددة تؤكد بالحاح أكبر راهنيته. ويطرح هذا الوضع بقوة أكبر ضرورة أن تتوصل حركتنا، بأحزابها الشيوعية والعمالية، بالاضافة الى الطيف الواسع من القوى والفئات الاجتماعية على الصعيد العالمي، المتضررة من هيمنة الرأسمالية المعولمة بنموذجها النيوليبرالي، إلى صيغ عمل وتنظيم فاعلة لنضالها على العالمي في مواجهة الرأسمالية المعولمة.
 

وكما جرى التأكيد في اجتماعنا العالمي الحادي عشر، المنعقد في نيودلهي نهاية العام الماضي، فإن هناك ثمة إجماع على أن الأزمة الراهنة هي تعبير عن التناقضات الداخلية للرأسمالية المعولمة. ومن الملامح الرئيسية للأزمة الحالية وقد اكتسبت طابعا معولماً، طغيان الطابع المالي على الاقتصاد الرأسمالي في المراكز الرأسمالية نتيجة لاطلاق حرية حركة وانتقال رؤوس الاموال عبر الحدود، وإزالة جميع الضوابط الوطنية التي تتحكم فيها. وترتب على ذلك تضخم الانشطة المضاربية وانحسار الانشطة الانتاجية وتراجع الوزن النسبي للاقتصاد الحقيقي وانحسار السيادة الوطنية، وخصوصاً على صعيد السياسة الاقتصادية. ويقترن كل ذلك بمعدلات بطالة مرتفعة، واستقطابات في الثروة والدخل وتعرض فئات ومجموعات اجتماعية متزايدة للتهميش الاجتماعي والاقتصادي، والاستنزاف المتسارع للموارد الطبيعية وما ينجم عنه من اختلالات خطيرة في التوازن البيئي. ويتزايد تفكك النسيج الاجتماعي مع الهجمة الشرسة على انظمة الرعاية والضمان الاجتماعيين في البلدان الرأسمالية، وتحميل عبء الأزمة على دافعي الضرائب الذين يرغمون على دفع مئات مليارات الدولارات لإنقاذ مؤسسات مالية من الافلاس. وكان آخر هذه الامثلة ما جرى في ايرلندا، فيما تواجه اقتصادات اخرى في اوروبا مصيراً مماثلاً.
 

ومن المهم الاشارة الى انه على صعيد الفكر والوعي، وفرت الأزمة تربة خصبة لانتعاش الافكار الغيبية والعصبوية المتشددة (العنصرية والشوفينية والدينية المتطرفة...). وينجم عن كل ذلك احتدام في التناقضات والصراعات، ولجوء القوى الرأسمالية المهيمنة إلى العنف السافر والتدخلات المباشرة والحروب المحلية لضرب وقمع القوى المناهضة لها.
 

وتدفع تناقضات الرأسمالية المعولمة طيفاً واسعاً ومتزايداً من الشرائح الاجتماعية للوقوف ضدها بسبب تعرض مواقع هذه الشرائح ومصالحها للضرر، بما في ذلك شرائح من الرأسمال، ناهيك عن الطبقة العاملة والشرائح الوسطى. ويحتل البعد "الثقافي" أهمية متنامية، حيث تخوض العديد من القوى الاجتماعية والسياسية الصراع من منطلقات الدفاع عن الهوية، القومية أو الدينية.
 

وتؤدي هذه اللوحة المعقدة إلى خلق امكانيات واسعة لتطوير الحركات الاحتجاجية وإكسابها محتوى مناهضاً للرأسمالية. ولكن ثمة تحديات فكرية وسياسية ايضاً تواجه تحقيق التحالفات المطلوبة وتوحيد المطالبات المشتتة في تيار منسجم معادي للامبريالية ويحمل، في الوقت نفسه، مشروعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً تقدمياً.
 

ومن اكبر هذه التحديات والصعوبات هو الجمع بين النضال من اجل التحرر الوطني والاستقلال والخلاص من الهيمنة الرأسمالية المعولمة وتحقيق الديمقراطية، ببعديها الاجتماعي والسياسي. فان إهمال أي من هذين البعدين يقود الى اختلالات جدية واصطفافات غير منسجمة ومتناقضة. لذا فان النضال ضد الامبريالية لا بد وأن يقترن، وبصورة متلازمة، بالنضال من اجل الديمقراطية والسلام.
 

كما أن تنوع القوى والفئات التي تصطدم مصالحها بالرأسمال الاحتكاري المعولم وسلطته السياسية، والتراجع النسبي في قوة التضامن الاجتماعي بسبب التغييرات التي احدثتها التكنولوجيات الحديثة في الانتاج، إلى جانب تأثيرات العولمة وتوزيع العمليات الانتاجية، يجعل من الضروري ابتكار صيغ متنوعة ومرنة للتحالفات والقضايا التي تخاض من أجلها النضالات المشتركة.
 

ومن الامور الجديرة بالتوقف عندها في التحليل، العلاقة بين الصراع الطبقي والصراعات الاخرى، والتي تختلف في درجة اقترابها وابتعادها وصلتها بالصراع الطبقي. ويتحدد البعد التقدمي للصراعات الاخرى بقدر اغتناء مضامينها الاجتماعية.
 

ولا يمكن هنا الخوض بمزيد من التفاصيل بشأن هذه القضايا المهمة. ولكن من المهم التأكيد على ان الأزمة المالية العالمية اعلنت فشل النموذج الليبرالي الجديد المتطرف للرأسمالية الذي ساد على مدى أكثر من عقدين. وفتحت بذلك آفاقاً جديدة تحمل إمكانات واعدة لنهوض واتساع نضالات القوى المناهضة، ليس فقط للعولمة، بل للرأسمالية ذاتها.
 

ان الاستنتاج الأهم الذي يمكن التوصل اليه من الأزمة العالمية الراهنة هو أن العالم لن يعود الى ما كان عليه قبل انفجار الأزمة. فمن المتوقع ان تشق توازنات جديدة طريقها رغم كل العوائق والمقاومة التي تبديها الرأسمالية المعولمة، ما يفتح بالتالي فرصاً جديدة ويوفر امكانات للتغيير وبناء عالم أفضل.
 

الرفاق الاعزاء
 

ان الوضع العالمي الراهن يطرح، وبقوة اكثر من أي وقت مضى، الحاجة الى تطوير بدائل اليسار والنشاط الموحد للقوى التقدمية ضد الحرب والنيوليبرالية والامبريالية، بالاضافة الى مكافحة النزعات اليمينية المتطرفة والرجعية على الصعيد العالمي، والترويج للافكار والاهداف الاشتراكية. ويرتبط هذا على نحو وثيق بتعزيز التضامن العالمي ضد السياسات العدوانية للامبريالية وهجوم العولمة الرأسمالية، والحاجة الى تقديم الدعم النزيه للنضالات المتواصلة في ارجاء العالم من اجل السلام والحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.
 

وأكد اللقاء اليساري العربي الذي عقد مؤخراً في بيروت (22-23 تشرين الاول/ اكتوبر 2010)، على اهمية ان تستعيد قوى اليسار في المنطقة دورها وتتبنى برنامجاً واقعياً للتحرر الوطني – الاجتماعي، يستند على النضال من اجل التغيير الديمقراطي، باعتماد وسائل النضال المشروعة التي تأخذ بالاعتبار خصوصية كل بلد. كما ان معالجة الأزمات العميقة الناجمة عن سياسات الانظمة العربية وتبعيتها للرأسمالية النيوليبرالية العالمية، وفي مقدمتها الفقر والبطالة، تتطلب تطوير مقترحات ملموسة لبرنامج للنهوض الاقتصادي والتنمية الاجتماعية، بما في ذلك التنمية الشاملة كبديل لسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. ويتطلب تحقيق هذه الاهداف تنشيط دور اليسار في الحركة الاجتماعية وتطوير رؤية سياسية نقدية تجاه الانظمة القائمة. وينبغي ان يكون الهدف الرئيسي لبرنامج التغيير المميز الذي يتبناه اليسار هو اقامة حكم وطني ديمقراطي، بأفق اشتراكي، يمثل بديلاً للأنظمة التابعة. وفي هذا السياق، يتعين على اليسار ان يعمل على تعبئة العمال والفلاحين والمثقفين التقدميين في حركة جماهيرية من اجل تحقيق تغيير ديمقراطي حقيقي. وتتضمن المهمات الرئيسية لهذه الحركة النضال من اجل جانبي الديمقراطية المترابطين على نحو وثيق: الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية. ان الديمقراطية، وبناء دولة قانون ومؤسسات تقوم على مبادىء المواطنة، هو الضمان ضد الانقسامات الطائفية. وبهذا الصدد، يكتسب اهمية بالغة بالنسبة الى اليسار الدفاع عن حقوق الانسان والحريات الديمقراطية الأساسية والحقوق النقابية، وخصوصاً حقوق المرأة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من القضايا الوطنية الكبرى.
 

الرفاق الاعزاء
 

بالاضافة الى الآثار المدمرة للأزمة المتعمقة للرأسمالية المعولمة، هناك ايضاً تهديدات خطيرة على السلام العالمي. فخلال العقدين الماضيين أدى نظام القطب الواحد تحت زعامة الولايات المتحدة إلى انتهاكات خطيرة للشرعية الدولية واللجوء إلى الحرب والعدوان (كما جرى في غزو واحتلال العراق في 2003). وكجزء من محاولاتها لفرض هيمنتها على العالم، لم تتورع عن إشعال العديد من الحروب "المحلية". وهنا، مرة اخرى، يتشابك النضال من اجل السلام وضد سياسات الامبريالية ونزعاتها العدوانية بالنضال من اجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي.
 

في هذا السياق، أود الاشارة هنا بكلمات قصيرة الى الوضع في العراق.
 

لقد مرت سبع سنوات ونصف سنة على الحرب وانهيار النظام الدكتاتوري والاحتلال الامريكي للعراق. ولا يزال النضال لانهاء الوجود العسكري الأجنبي يترابط على نحو وثيق بالنضال لبناء الدولة العراقية الجديدة وتحديد شكلها ومحتواها.
 

وفي ظل هذه الظروف الصعبة والمعقدة، يستمر صراع حاد ليس فقط على السلطة والثروة، بل ايضاً على صياغة الوجهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ستحدد ملامح الدولة العراقية الجديدة. ويمكن القول ان المهمات الوطنية والديمقراطية والاجتماعية تترابط وتتفاعل. ولذا فانه الى جانب مهمة انهاء الاحتلال وتركته، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال، نواجه مهمات إزالة تركة عقود من دكتاتورية ذات نمط فاشي، وإعادة بناء الاقتصاد العراقي وبناء الدولة على أساس ديمقراطي فيدرالي. كما تتفاعل العوامل الدولية والاقليمية، ما يجعل الصراع اكثر تعقيداً واحتداماً. وقد طرح حزبنا رؤيته المتمثلة بالمشروع الوطني الديمقراطي، الذي يهدف الى بناء دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على القانون والمؤسسات ومبادىء المواطنة، وتضمن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في مواجهة مشاريع طائفية والعودة الى دكتاتورية، سواء كانت بغطاء قوماني أو ديني.
 

الرفاق الاعزاء
 

لقد ساعد الفراغ السياسي الذي أعقب الانتخابات القوى المعادية للشعب على تصعيد اعمالها الارهابية الاجرامية. ووقعت مثل هذه الافعال الشنيعة في 10 آيار (مايو) 2010 في بغداد والحلة والبصرة، حيث قتل ما لا يقل عن 110 اشخاص في سلسلة تفجيرات وهجمات مسلحة. وفي مدينة الحلة، جنوب العاصمة، قتل 40 من العمال واصيب 250 آخرون بجروح عندما انفجرت ثلاث سيارات مفخخة امام مصنع للنسيج، في استهداف للعمال وهم يغادرون المصنع. ان هذه المجازر ومنفذيها يجب أن تدان، بقوة ووضوح تام، من قبل الاحزاب الشيوعية والعمالية، وكل القوى التقدمية والمحبة للسلام.
 

ان هذه الاعتداءات البربرية التي استهدفت العمال العراقيين تفضح مرة اخرى الطبيعة المعادية للشعب لما يسمى بـ"المقاومة" التي تدعي انها تقاتل الاحتلال. انها تضم الاسلامويين الاكثر رجعية وبقايا النظام البعثي الصدامي الفاشي وعصابات الجريمة المنظمة. وأحد اهدافهم الرئيسية هو تأجيج الفتنة الطائفية، وتدمير الوحدة الوطنية، وتخريب البنية التحتية للبلاد. لقد قدموا، ولا يزالوا يقدمون، خدمة مجانية للاحتلال الامريكي بتقديم الذرائع لاستمراره وعرقلة الاجلاء السريع للقوات الاجنبية، وتحقيق انسحابها الكامل وازالة آثار الاحتلال.
 

الرفاق الاعزاء
 

ان حزبنا الشيوعي، الذي يمثل القوة الأساسية لليسار في العراق، يواصل حالياً جهوداً دؤوبة لتحقيق وحدة عمل القوى الديمقراطية، ولتحويل التيار الديمقراطي الى قوة رئيسية فعالة في الصراع المحتدم الجاري على مستقبل العراق. وتتطلب هذه الرؤية بذل جهود أكبر لزج الحركة النقابية والمنظمات الديمقراطية، خصوصاً تلك التي تمثل النساء والشباب والطلبة، وغيرها من منظمات المجتمع المدني، في النضالات الجماهيرية للدفاع عن حقوق الانسان والحقوق الديمقراطية للشغيلة والشعب. وعقدت خلال الاسابيع القليلة الماضية مؤتمرات للقوى والشخصيات الديمقراطية في محافظات عدة، كجزء من عملية ستتوج بعقد مؤتمر وطني في بغداد.
 

ويؤكد الشيوعيون العراقيون تصميمهم على تعزيز علاقاتهم بالجماهير الشعبية الواسعة، بالعمال والفلاحين والطلبة والمثقفين، وكل الفئات الشعبية التي تطمح الى الحرية والديمقراطية، وعلى تبني مطالبها والدفاع عن دورها في تقرير مصير بلادنا.
 

وفي النضال الصعب الذي يخوضه الشيوعيون العراقيون، يتطلعون الى التضامن الفعال والملموس من الأحزاب الشقيقة. ويكتسب هذا التضامن أهمية كبيرة في الأشهر المقبلة اذ يتهيأ العراق لانهاء الوجود العسكري الأميركي بحلول نهاية 2011، ويواصل النضال لإزالة تركة الاحتلال، واستعادة سيادته الوطنية واستقلاله، ودحر الطائفية والقوى المعادية للشعب وتحقيق البديل الوطني الديمقراطي.
 

ويعبّر حزبنا عن ثقته اللامحدودة بالشعب العراقي وقدرته على مواصلة نضاله، على رغم كل المصاعب والعقبات، من اجل دحر الارهاب والطائفية، وإزالة تركة الدكتاتورية والاحتلال الامريكي، واستعادة السيادة الوطنية الكاملة، وارساء أسس دولة تقوم على المؤسسات والعدل والقانون، وبناء عراق ديمقراطي فيدرالي موحد.