التجاذبات السياسية واثرها على السوق / رياض عبيد سعودي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 12 شباط/فبراير 2012 22:24

alt

بين تأزم العملية السياسية بشكل غير مسبوق منذ انهيار النظام المباد وبين توقف النشاط الاقتصادي بسبب تأخر اقرار الموازنة الاتحادية، يشهد السوق حالة من الركود تصاحبها مظاهر من ارتفاع اسعار السلع ولا سيما الاساسية منها. وهذا شيء غريب، حيث من المعروف ان الركود ينجم عنه انخفاض مستوى الاسعار عموماً، ولكن يبدو ان تفسيرات المختصين في الشأن الاقتصادي تتأثر بتشابك العوامل المؤثرة على العرض والطلب في السوق على نحو عام، والتي تمارس دورها في وقت واحد. مما يسبب بعض التضاد في تلك الآثار، ويجعل هذه الظاهرة التي نحن بصددها صورة قد لا تبدو طبيعية.
ففي جانب الطلب تؤثر عوامل منها تدني دخول شريحة كبيرة من المجتمع وهي شريحة ذوي الدخل الواطىء والمحدود ليؤثرعلى قدرتها في مواجهة المستجدات السعرية في السوق. كما ان الانفاق عموماً شهد نوعاً من الانحسار بسبب التمسك بخيار الاحتفاظ بالنقد لا سيما في ظروف تأزم الساحة السياسية، وانعكاس ذلك على الوضع الامني الهش في عموم المحافظات شمالاً ووسطاً وجنوباً. بالاضافة الى ان كميات كبيرة من العملة العراقية يتم تهريبها الى بعض الدول لاعتقاد المضاربين بها ان سعر صرفها سيتحسن بنسبة كبيرة خلال الفترة القادمة كما حدث بالنسبة للعملة الكويتية بعد انتهاء احداث الاجتياح العراقي لها.
جملة هذه العوامل لها تأثيراتها على جانب الطلب في السوق. اما في جانب العرض السلعي فإن اهم العوامل المؤثرة خلال هذه الفترة بتركز في الصعوبات التي تواجه عملية الاستيراد بدءاً من منح اجازة الاستيراد الى اجراءات فحص النوعية التي يشوبها الكثير من التقصير والكلف الاضافية، الى عملية النقل عبر موانيء الدول المجاورة وخطورة مرورها وايصالها الى العراق بسبب الظروف الامنية على الطرق الخارجية. ومن جانب آخر فإن اصحاب المصالح عموماً يخشون من استمرار التوتر في الاوضاع السياسية فترة طويلة مما يعرضهم الى الخسائر التي تؤدي الى التوقف عن العمل بشكل عام ويمكن ان تخلق عبئاً ثقيلاً على شريحة واسعة من اصحاب الاعمال وبطالة عدد كبير من العمال، الامر الذي يولد آثاراً مدمرة على الاقتصاد بشكل عام وعملية الاستثمار بشكل خاص.
ان السوق في ظل هذه التأثيرات المتعاكسة لا يمكن للسوق ان يستقر ويمارس دوره في انعاش الاقتصاد وتعجيل عملية التنمية. ومن هنا الخوف من استمرار التجاذبات السياسية وتصاعد حدتها وصعوبة رسم صورة للمستقبل القريب، ولا سيما في تحديد المصالح واختيار القرارات التي تحفظ مصالح اطراف العملية الاقتصادية.
ان الحكومة ملزمة ان تتخذ حزمة من القرارات التي من شأنها تحقيق اصلاح اقتصادي واسع يمكنه ان يضع السوق وعوامل التأثير في جانبيها، في مقدمة الاهتمامات لتمكينها من اخذ دورها الفعال في تنشيط حركة التنمية والتغيير الايجابي في عوامل الانتاج بشكل عام. ومن الواضح ان ذلك لن يتحقق في ظل الظرف الراهن في الامد القريب، لان الحكومة كما يبدو تعطي للعملية السياسية جل اهتمامها على حساب الجوانب الاخرى، رغم انها لا تقل خطورة واهمية عن العملية السياسية والامنية، لان الكثير منها يمارس دوره في ارساء قواعد البناء الجديد.