|
الإثنين, 23 كانون2/يناير 2012 20:04 |
|

السؤال الخامس: هل تدلل الارقام الفعلية لموازنة 2012 على وجود توجه فعلي لتغيير الطابع الريعي – الخدماتي للاقتصاد العراقي بتنويعه؟
ان الاجابة على هذا السؤال تتطلب العودة الى بنية الاستثمارات وحصة كل قطاع فيها وهو ما يوضحه الجدول رقم (11).
تتيح قراءة الجدول اعلاه بلورة الخلاصات السريعة التالية:
1- كما ذكرنا سابقا فان قطاع الامن والدفاع يحتل 14.7% من اجمالي النفقات.
2- اضافة الى ذلك يلاحظ هيمنة قطاع الطاقة في النفقات حيث يحتل 17.5% من اجمالي تلك النفقات. ولكن رغم ضخامة حجم النفقات الموجهة الى هذا القطاع خلال السنوات التي تلت 2003 فان النتائج جاءت مخيبة للامال واسباب ذلك كثيرة من بينها، وليس وحده طبعا، حجم الفساد المستشري وعدم وجود رؤية واضحة لتطوير هذا القطاع، وهذه ناجمة عن عدم بلورة رؤية استراتيجية للحكومات المتعاقبة، استراتيجية تعرف ما تريد.
3- الحجم المتواضع لحصة قطاعات الانتاج المادي واقصد بهما قطاعي الزراعة والصناعة بحيث تبلغ حصتهما، مجتمعين، 3.3% في اجمالي النفقات (2.1% للزراعة و 1.2% للصناعة). وثمة العديد من الاسباب التي تفسر هذه النسبة المتواضعة وفي مقدمتها الاستراتيجية التي يقوم عليها النظام الحالي القائم على الخصخصة واليات السوق الطليقة والتي تفترض من بين ما تفترضه انسحاب الدولة من النشاط الانتاجي وتحولها الى مجرد خفير، وتجميد ملف المنشآت الاقتصاديـة الحكومية على طريق خصخصة تلك المنشآت وبيعها بابخس الاثمان، هذا اضافة الى التوجه نحو تحويل قطاع الطاقة بأكمله للاستثمار الاجنبي من خلال عقود التراخيص الاخيرة التي وقعتها حكومة المالكي والتي اثارت الكثير من اللغط بشأن جدواها الاقتصادية ناهيك عن اثارها السياسية.
4- ومن جانب آخر يلاحظ ضعف حصة قطاع التشييد والاسكان بحيث بلغت 1.0% فقط من اجمالي النفقات في وقت تعاني فيه البلاد من ازمة سكنية حادة وهياكل ارتكازية ليست بمستوى تحديات المرحلة الجديدة. وفي حديث لوزير الاعمار والاسكان عن موازنة 2012 اشار الى ما يلي: " انه بحسب ما تم اقراره ... لقطاع السكن لعام 2012 ... فأن هذه التخصيصات لا تكفي سوى بناء (5) مجمعات سكنية فقط في جميع المحافظات اي ما يعادل 2500 الى 3000 وحدة سكنية خلال العام المقبل، في حين ان حاجة البلاد من الوحدات السكنية للعام الواحد يجب ان لا يقل عن 250000 الى 300000 الف وحدة سكنية سنوياً حسب اخر دراسة اعدتها الوزارة بالتعاون مع منظمة الهبيتات التابعة للامم المتحدة وضمن التخطيط العام للحد من أزمة السكن الكبيرة في العراق " .
من جانبه أكد الوزير نفسه ان التخصيصات المالية لقطاع السكن ضمن لعام 2012 تمثل الحد الادنى من طموح الوزارة. وابدى استغرابه الشديد لضعف التخصيصات المالية لقطاع السكن ضمن الموازنة الاستثمارية للوزارة لعام 2012، مؤكدا ان ما تم تخصيصه من قبل وزارة التخطيط لهذا القطاع المهم والستراتيجي لا يرتقي الى طموح الوزارة للنهوض بقطاع السكن وتقليص الفجوة الكبيرة والنقص الهائل من الوحدات السكنية والتي تتحمل الوزارة مسؤولية النهوض بها .
علما ان هذا القطاع يمكنه ان يكون قطاعا واعدا من ناحية مساهمته في تقليص البطالة المستشرية عبر استيعاب احجام غير قليلة من العاطلين عن العمل، فيما لو تمت زيادة تخصيصاته.
5- الحصة المرتفعة للالتزامات والمساهمات الدولية والديون والتي بلغت 8.0% من الاجمالي، علما ان اكثر من نصفها بقليل (50.3%) يمثل تعويضات حرب الكويت التي اقدم عليها النظام السابق.
6- الشيء المثير للانتباه هو ان حصة الانشطة السلعية في اجمالي الانفاق لا تزيد عن الربع حيث بلغت 22.8% فقط في حين بلغت حصة الانشطة التوزيعية – الخدمية 77.2%.
وعلى اهمية هذا الجدول والملاحظات السريعة التي ذكرناها الا انه يمكن القول ان هذه الارقام وان كانت تعطي تصورا اوليا على ان موازنة 2012 ليس فيها ما يشير الى مجرد محاولة لتغيير البنية الريعية – الخدماتية للاقتصاد العراقي، الا اننا بحاجة الى التوقف مجددا عند توزيع النفقات العامة بين النفقات الاستثمارية والنفقات التشغيلية حيث شكلت النفقات التشغيلية 68.2% من اجمالي النفقات العامة في ميزانية 2012 يقابلها 31.8% للنفقات الاستثمارية وهو اتجاه يماثل تقريبا الاتجاه السائد الذي حكم ميزانية 2011
واذا اخذنا تجارب السنوات السابقة بما فيها تجربة عامي 2010 و 2011 لوجدنا انه ورغم هذه النسبة الا اننا عادة ما نصطدم بحقيقة قوامها ان نسب الانفاق الفعلي من تخصيصات الاستثمار كانت عموما منخفضة وعادة ما تكون حتى اقل من 50% مما يشكل هدرا وتبذيرا للموارد والفساد. ما يشير الى حجم الاثر الاقتصادي والاجتماعي لانجاز تلك المشاريع والمردود الاكيد عند تسريع انجازها. ولهذا لا يكفي فقط ان تشكل النفقات الاستثمارية ثلث او ربع الموازنة للقول ان ثمة تقدما قد حصل بل لا بد من ربط ذلك باعتماد اليات قادرة على الاستفادة القصوى من الموارد المخصصة.
السؤال السادس: هل أن موازنة 2012 تكفل مكافحة الغلاء وتساعد ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين خصوصا على تحسين أوضاعهم؟
يشكل غلاء المعيشة هماً يوميا اخر من هموم الناس، إلى جانب البطالة وتأكل الاجور الحقيقية.
لنتفحص ما تقوله موازنة 2012 عن هذا الجانب. تشير رسالة وزير المالية موضوع حديثنا الى انه و " خلال اجتماعات مع صندوق النقد الدولي وبحضور دولة رئيس الوزراء ولاحقاً بحضور اللجنة البرلمانية في مجلس النواب تم التوصل الى الآتي " :
1- ان يتم اعادة النظر بتقديرات النفقات التشغيلية التي توصلت اليها اللجنة المشكلة في الامانة العامة لمجلس الوزراء من خلال الأخذ بنظر الاعتبار نسبة التخفيض (4%) الواردة بأحكام المادة (3) من قانون الموازنة الاتحادية رقم (12) لسنة / 2011 والتي لم يجر صرفها والبالغة (2.7) ترليون دينار
2- تخفيض مبلغ (6.1) ترليون دينار من اجمالي النفقات الاستثمارية المقترحة لعام / 2012
3- تأجيل الزيادة المقترحة بشأن الرواتب التقاعدية من خلال دفع نصف المبلغ والنصف الآخر يؤجل الى موازنة عام / 2013 أو عند اعداد موازنة تكميلية في حالة زيادة ايرادات صادرات النفط الخام عن ما هو مخطط بالموازنة.
4- ادراج تخصيصات رواتب منتسبي الشركات العامة التي تمول عن طريق الاقتراضات من المصارف الحكومية والبالغة (3.597) ترليون دينار ضمن موازنة عام / 2012.
5- ترحيل كافة الاضافات التي صدرت بشأنها قرارات مجلس الوزراء الى موازنة عام / 2013 أو عند تحقق وفورات في صادرات النفط الخام المصدر لعام / 2012 ".
ملخص القول: اننا امام موازنة انكماشية، وهذا لا يحتاج الى اي عناء لكشفة فالعبارات اعلاه تبين ان اي زيادة في الفقرات اعلاه مؤجلة الى اشعار اخر ومرتبطة بوضوح ومن دون رطانة بـ " تحقق وفورات في صادرات النفط الخام المصدر لعام / 2012 " أي ان الموازنة لهذا العام ايضا تراهن على عوامل خارجية.
كما ان تخفيض مبلغ (6.1) ترليون دينار من اجمالي النفقات الاستثمارية المقترحة لعام / 2012 يدلل ايضا اننا امام نزعة انكماشية، فاخراج هذا المبلغ من اجمالي النفقات الاستثمارية سينعكس سلبا على معدلات النمو وبالتالي ضياع فرص استثمارية كان بامكانها ان تقلل من معدلات البطالة.
لقد تم ربط الزيادات المذكورة بـ " تحقق وفورات في صادرات النفط الخام المصدر لعام / 2012 " وهذه محاولة من مهندسي الميزانية الى التملص من قول الحقيقة والبحث عن مخرج للحفاظ على ماء الوجه. لو عدنا الى الملاحظة التي تقول انه و " خلال اجتماعات مع صندوق النقد الدولي وبحضور دولة رئيس الوزراء ولاحقاً بحضور اللجنة البرلمانية في مجلس النواب تم التوصل الى الآتي "، ورتبنا الكلام جيدا بدأ من " اجتماعات مع صندوق النقد الدولي " امكننا القول ان الزيادات توقفت لان الصندوق لا يقبل بهذه الزيادات انطلاقا من سياساته الانكماشية القائمة على فكرة الحفاظ على " التوازنات المالية الكبرى " ومثل هذه الزيادات ستؤدي – حسب وجهة نظر " خبرائه " الى " تخريب " تلك التوازنات.
واذا ربطنا هذه الاشتراطات بمعدلات التضخم المتواصلة وانفلات الاسعار، وتعاظم مديات البطالة، وايضا بقاء الاعتماد المخصص للبطاقة التموينية لعام 2012 عند حدود (4 مليار دينار) وهو نفس المبلغ المخصص في موازنة 2011 رغم زيادة سكان العراق في عام 2012 بحدود ما يقارب المليون شخص مقارنة بعام 2011، امكننا القول ان المتضررين الرئيسيين من هذه الاجراءات اذاً هم ذوو الدخل المحدود من الشغيلة والمتقاعدين، الذين قرر مهندسو اعداد الموازنة (وليس بمعزل عن ضغوطات " خبراء " صندوق النقد الدولي) " تأجيل الزيادة المقترحة بشأن الرواتب التقاعدية من خلال دفع نصف المبلغ والنصف الآخر يؤجل الى موازنة عام / 2013 أو عند اعداد موازنة تكميلية في حالة زيادة ايرادات صادرات النفط الخام عن ما هو مخطط بالموازنة ". هذه هي الخدعة الكبرى التي يتعين على الفقراء ومحدودي الدخل معرفتها اولا والنضال ضدها ثانيا.
إن ابقاء المبلغ المخصص للبطاقة التموينية، باعتباره شكلا من اشكال الدعم لذوي الدخل المحدود، على حاله دون تغيير (أي نفس مستوى عام 2011)، يستدعي وقفة خاصة ارتباطا بسؤالنا: هل الموازنة تكفل مكافحة الغلاء وتساعد ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين خصوصا؟
بداية، لا بد من الاشارة الى ان للدعم ضرورة هامة من الناحية الاجتماعية والسياسية، نتيجة الخلل الموجود في توزيع الدخل القومي بين الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة. فالمعطيات المتوفرة تشير الى انه ونتيجة اعتماد اقتصاد السوق وما يرتبط به من انفتاح اقتصادي بدون ضوابط فقد تدهورت حصة الاجور في اجمالي النفقات العامة في عام 2012، في حين ارتفع النصيب النسبي لاصحاب حقوق التملك في نفس العام. ولما كان هناك اكثر من 5 ملايين شخص من كاسبي الاجور والمرتبات بما فيهم المتقاعدون اضافة الى مئات الالاف من الارامل وعوائل الشهداء وما يماثلهم، فان تدهورا واضحا سيطرأ على مستوى معيشة القطاع الاكبر من السكان، هذا اضافة الى ان معدلات التضخم تساهم في الحاق المزيد من الضرر بذوي الدخل المحدود. ومن هنا فان سياسة اعادة توزيع الدخل القومي تصبح ذات اهمية اجتماعية – سياسية محورية لتصحيح بعض الاثار السلبية لتوزيع الدخل المذكور. ويعد الدعم احد الصور في اعادة توزيع الدخل القومي، فالبطاقة التموينية مثلا – على الرغم من كل الملاحظات بشانها- تضمن في حدود معينة توفير بعض السلع الضرورية بكميات معينة للطبقات والفئات الاجتماعية التي تطحنها موجة الغلاء المتصاعدة، وتحميها من طغيان الغلاء على اهم وسيلة من وسائل المعيشة، وهي السلع الضرورية. ويبدو ان هذه المشكلة لن تحل الا باقتلاع جذورها الاساسية، والتي تتمثل في اختلال هيكل الناتج المحلي الاجمالي بتغيير الطبيعة الريعية – الخدماتية للاقتصاد العراقي لصالح القطاعات السلعية وفي مقدمتها قطاعات الانتاج المادي، ومن جهة اخرى تحسين توزيع الدخل القومي. وهذان في الواقع تحديان يتجاوزان كثيرا القوى المتنفذة الماسكة اليوم بزمام السلطة في بلادنا.
ومن جانب اخر تشير المعطيات الاحصائية المثبتة في موازنة عام 2012 الى انها ستواجه عجزاً قيمته (14.768) تريليون دينار وهو ما اشرنا اليه سابقا، وهذا يتطلب مزيدا من الاقتراض من مصادر مختلفة من بينها الجهاز المصرفي، وهو ما يغذى التضخم ويزيد معدلاته. اذاً بفضل الموازنة الجديدة، سيكون المواطن محشورا بين مطرقة تضخم جذب الطلب وسندان تضخم دفع التكاليف كما يقول الاقتصاديون.
السؤال السابع: ما هي الخيارات الاقتصادية-الاجتماعية الكبرى لحكومة " الشراكة الوطنية "من خلال التوجهات العامة للموازنة الفيدرالية لعام 2012؟
رغم العبارات التي تغلف مذكرات تقديم مشاريع الموازنات السنوية، والموازنة الحالية من ضمنها، والتي يتم صياغتها بدقة حتى توحي بأن الميزانية العامة تندرج بالفعل في صيرورة تنموية من شأنها نقل البلاد من الوضع الذي توجد عليه إلى مستوى أرقى، إلا أن مظاهرها السلبية تبقى واضحة للعيان وهو ما كشفت عنه الاجابات على جملة من الاسئلة المطروحة في الاجزاء السابقة من هذه المساهمة.
إن الأزمة البنيوية الشاملة التي يعرفها الاقتصاد العراقي تكتسي في الجانب الاجتماعي كل أبعادها المأساوية، وتكشف بشكل جلي عن فشل السياسات الاقتصادية المقتصرة على التوازنات المالية، والمعتمدة على المؤشرات " الماكرو- اقتصادية " في غياب أي إستراتيجية تنموية اجتماعية فعالة يدور الصراع حولها، باعتبارها جزء عضويا من معركة البدائل. وانطلاقا من الاستراتيجية التي بنيت عليها الموازنة الاتحادية لعام 2012، يمكن القول ان هذه الموازنة يتنازعها هاجسان متناقضان، أحدهما مرتبط بالمحافظة على التوازنات الهيكلية والثاني مرتبط بضرورة إيجاد معالجات وحلول ناجعة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن التعبير عن هذا التأرجح بهاجس العجز المالي وهاجس العجز الاقتصادي، والذي هو نتيجة للضغوطات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
وبالملموس على مستوى التشغيل، تسعى الموازنة الفيدرالية لعام 2012 الى احداث 58908 درجة وظيفية " لغرض تعيين الخريجين الجدد من الاختصاصات الطبية والصحية والتدريسية والتعليمية والشرطة والعسكرية "، وهو رقم متواضع ويبلغ ما يقارب 1/3 الدرجات الوظيفية التي تضمنتها موازنة 2011. والمثير للانتباه ان الارقام لا تتضمن عدد الدرجات الوظيفية المقررة لوزارة الدفاع. وادناه جدول بأهم الارقام.
أما على المستوى الاقتصادي فإن التدابير المشار إليها في الميزانية الفيدرالية (فقرة بنية الموازنة) ستؤدي، كما يبدو، إلى تكريس اقتصاد تابع يعتمد على الريوع النفطية بالدرجة الاولى وبالتالي الابقاء على ذات البنية المتخلفة والاحادية الجانب للاقتصاد العراقي وهو ما تعكسه الارقام الاحصائية المثبتة في الجدول التالي (جدول رقم 13). فقد بلغت نسبة الزيادة في اجمالي نفقات القطاع النفطي 33% في عام 2012 مقارنة بعام 2011 في حين بلغت نسبة الزيادة في اجمالي الموازنة 17.4% خلال نفس الفترة مما يعني ان وتيرة نمو القطاع النفطي بلغت ما يقارب ضعف مثيرة نمو موازنة عام 2012 علما ان طبيعة هذا القطاع كونه قطاعا للتكاثر المالي وينصر دوره في استجلاب الريوع النفطية ولا تقوم بجانبه صناعات امامية او خلفية تجعل منه قطبا للتنمية.
وما يؤكد الملاحظة السابقة هو ان الاستراتيجية حددّت اعادة التوازن في الاقتصاد العراقي الاحادي الجانب باعتباره احد الاهداف التي تسعى الموازنة الفيدرالية الى انجازه. واستنادا الى جملة من التجارب التاريخية فإن استعادة التوازن لاقتصاد احادي الجانب وريعي في الوقت نفسه يفترض ان تمر عبر تنشيط القطاعات الانتاجية الاخرى مثل الزراعة والصناعة التحويلية وتطوير الصناعات التي تعتمد على المواد المحلية الاولية. ولكن الموازنة الفيدرالية المرتكنة الى املاءات العوامل الخارجية اساساً لا تساعد على تحقيق هذه الوجهة.
ومقابل ذلك ورغم أن البطالة لم تعد قضية لا ترى الا بالمجهر ! بل اصبحت واحدة من الاشكاليات الكبرى التي تواجهها البلاد بكل ما تحمله من تداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وامنية وغيرها، ورغم ان حديث المسؤولين الكبار المتكرر عن هذه القضية واعتبار القضاء على البطالة احد الاهداف الكبرى التي تسعى " الاستراتيجية الاقتصادية " لانجازها، فإن قراءة الموازنة لا تتيح العثور على ما يبين ان هناك اجراءات ملموسة لمعالجة هذه المشكلة الملحة والخطيرة، وخصوصا في القطاعات الكبرى وتحديدا لقطاعي الزراعة والانشاءات والبناء وهما في الواقع القطاعان الاكثر امتصاصا للبطالة في الاقتصاد العراقي في لحظة تطوره الراهنة. ففي الوقت الذي يعاني فيه مئات الالاف من حاملي الشهادات من عواقب البطالة، فإن الموازنة الفيدرالية للدولة العراقية لعام 2012 لم تعتمد سوى 58908 درجة وظيفية، وهو ما اشرنا اليه اعلاه في اكثر من مكان.
ولو عدنا الى الاسس والمبادئ العامـــــة لأعــــداد تقديــــــرات موازنة عام 2012 لوجدنا ان امر معالجة البطالة يقع في خاتمة هذه الاسس.
للتدليل على هذه الملاحظة " العرضية " يتوجب علينا قراءة النص التالي: " من اجل الوصول الى الاهداف المتوخاة لموازنة سنة/2012 تم التركيز على تحسين القدرات في مجالات الامن والدفاع الوطني ومشاريع القطاع النفطي والطاقة الكهربائية وخدمات البنى التحتية الاساسية والارتكازية والعمل على امتصاص او معالجة البطالة من خلال تنمية القطاعات والانشطة وتنفيذ المشاريع وبناء القدرات كذلك العمل على تحسين البيئة وضمان حقوق الانسان وتوفر فرص عمل لامتصاص البطالة ". والارقام اعلاه عن عدد الدرجات الوظيفية يدلل على مدى " الاهتمام " الذي اولاه مهندسو اعداد موازنة 2012 !.
ان هذه الحقائق تفند ادعاءات مهندسي الموازنة الفيدرالية بأنها تسعى لمحاربة الفقر ومحاربة البطالة وتحقيق التوازن الاقليمي.
ومن ناحية ثانية لا بد من اثارة الانتباه الى انه ورغم ان قطاعي الخدمات الاجتماعية والمياه والمجاري والصرف الصحي يعانيان من اشكاليات كبيرة تلقي بثقلها على الحياة اليومية للسكان الا ان مراجعة الموازنة لعام 2012 تبين ضآلة المبالغ المخصصة للاستثمار في هذين القطاعين بحيث شكلت مجتمعة 8.2% من اجمالي النفقات العامة (4.95% للخدمات الاجتماعية و 3.3% للمياه والمجاري والصرف الصحي).
وتظهر كلفة الحفاظ على " التوازنات الاقتصادية الكبرى " في ظل صراع القوى المتنفذة فيما بينها حول السلطة والثروة والنفوذ، وفي ظل أوضاع أمنية متوترة ومتفجرة من حين لاخر، وفشل السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة واخرها حكومة " الشراكة الوطنية "، تظهر تلك الكلفة من خلال الضغوطات التي تمارس على على النفقات العمومية وخصوصاً تقليص نفقات دعم المواد الأساسية وفي مقدمتها البطاقة التموينية، الذي عادة ما يرفضه صندوق النقد الدولي، الذي هاجسه الاساس الحفاظ على ما يسمى بالتوازنات الاقتصادية الكبرى ومن دون أن يجهد النفس في البحث عن الاثار الاجتماعية لتلك القرارات وهل ان الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحين عموماً لديهم القدرة على تحمل اعباء هذه السياسات؟.
القسم الأول
القسم الثاني
القسم الثالث |