الاقتصاد السياسي لموازنة 2012 .. أسئلة تبحث عن إجابات واضحة 2-5 / د. صالح ياسر PDF طباعة أرسل إلى صديق
الإثنين, 16 كانون2/يناير 2012 10:23

alt

 

اسئلة بحاجة الى اجابات
ان المتامل للارقام الواردة اعلاه، اضافة الى مجموعة من الارقام الاخرى الواردة في رسالة السيد وزير المالية، تتيح لنا طرح عدة اسئلة تحاول " مشاكسة " على ما جاء في الرسالة وفي الارقام التي نشرت حول الموازنة الاتحادية لعام 2012 .
أول هذه الاسئلة هو: ما هي طبيعة موازنة 2012: هل هي انكماشية أم توسعية؟
بالمعنى المتعارف عليه في اوساط المنشغلين بقضايا الاقتصاد السياسي للموازنات المالية، يجري التمييز بين نوعين من هذه الموازنات. النوع الاول الموازنة التوسعية، والتي يقصد بها ضمان زيادة في الإنفاق العام كنسبة من الدخل القومي، مع توجيه هذا

الإنفاق بحيث يضخ الحيوية في شرايين الاقتصاد، ويتم ذلك من خلال عدة طرق منها:
- زيادة الأجور والتعويضات الاخرى وبالتالي رفع مستوى الطلب الكلى. تشير المعطيات الواردة في الجدول رقم (3) الى تعويضات الموظفين والرواتب التقاعدية والتي شكلت 34.2% من اجمالي الموازنة و ( 50.17%) من اجمالي النفقات التشغيلية في عام 2012 علما ان تلك التعويضات شكلت 39% من اجمالي موازنة 2011 . ويعني ذلك انخفاض حصة هذه البنود في موازنة 2012 مقارنة بعام 2011 .
- زيادة الاستثمارات وبالتالي توسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة. المعطيات المثبتة في الجدول رقم (3) تشير الى ان الاتجاهات العامة لتوزيع النفقات بين النفقات التشغيلية والاستثمارية لم يحصل عليها تغيير جذري خلال عام 2012 مقارنة بعام 2011 . ففي الوقت الذي نما فيه اجمالي النفقات عام 2012 بـ 20.1% نمت النفقات الاستثمارية بـ 21.0% ويعني ذلك تماثل الوتيرتين تقريبا. وقد انعكس هذا على التناسب بين النفقات التشغيلية والنفقات الاستثمارية حيث شكلت الاخيرة 31.8% من اجمالي الموازنة لعام 2012 بعدما كانت تشكل 31.5%. في حين بقيت النفقات التشغيلية خلال السنتين الأخيرتين تشكل اكثر من 68%. ولنا عودة بالتفصيل الى هذه القضايا لاحقا.
- زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحة وبالتالي زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد بالارتقاء بالعنصر البشري. تشير المعطيات الاحصائية المثبتة في موازنة عام 2012 الى ان حصة هذين القطاعين تبلغ 17.190 تريليون دينار (من اصل 117 ترليون) مما يشكل 14.7% من اجمالي النفقات وهو مبلغ متواضع على اية حال.
اما النوع الثاني فهو الموازنة الانكماشية والتي تعني تخصيص اعتمادات اكبر للإنفاق العقيم بدلا من الإنفاق المنتج.alt
وهنا سنعتمد على المعطيات الواردة في الموازنة بشان بابين رئيسين هما نفقات الامن والدفاع التي يعكسها الجدول رقم (4) وفوائد الدين العام التي يعكسها الجدول رقم (5) بحسب المعطيات في الجدول رقم (4) فان نفقات الامن والدفاع بلغت اكثر من 17 ترليون دينار وشكلت 14.7% من اجمالي نفقات موازنة عام 2012 .
اما الباب الثاني فهو باب فوائد الدين العام والتي شكلت 9.368 تريليون دينار وبلغت نسبتها 8% من اجمالي النفقات (انظر الجدول رقم(5)).وتعني الارقام في الجدولين (4)و(5) ان " الانفاق العقيم " يشكل 22.7 % من اجمالي النفقات. ومن المفيد الاشارة الى ان لا يمكن اعتبار جميع نفقات الامن والدفاع عقيمة بل جزء منها بالتاكيد، والدلائل على ذلك ليست قليلة حيث الفساد في هذين القطاعين لا يرى بالمجهر وانما بالعين المجردة !
ان الاجابة على السؤال اعلاه وما تركته من ملاحظات تستحث ضرورة طرح السؤال الثاني وهو:
السؤال الثاني: في ظل مستويات تطور الاقتصاد العراقي هل موازنة عام 2012 واقعية؟
للاجابة على هذا السؤال علينا العودة مجددا الى معطيات الجدول رقم (1) وتفكيكها الى مكوناتها.
استنادا الى المعطيات الواردة في هذا الجدول فإن اجمالي النفقات لعام 2012 بلغت 117.095 تريليون دينار منها 79.917 تريليون دينار للنفقات التشغيلية (68.2% من اجمالي الموازنة)، اما النفقات الاستثمارية فشكلت 37.178 تريليون دولار (31.8 % من اجمالي الموازنة). في حين يقدر اجمالي الايرادات المتوقعة بحوالي (102.327) تريليون دينار. ويعني هذا أن الموازنة الفيدرالية لعام 2012 ستواجه عجزاً قيمته (14.768) تريليون دينار.
وبالملموس، ستعرف النفقات العمومية في ظل الموازنة الفيدرالية لعام 2012 نموا ملحوظا يبلغ 20.1% مقارنة بعام 2011 مع وجود اختلال في بنيتها لصالح هيمنة النفقات التشغيلية. ويعني هذا ان الاتجاه السائد لحد اليوم والمتمثل بالحصة الكبيرة للنفقات العمومية هو في الحقيقة تعبير عن تناقض بنيوي تعاني منه هندسة الموازنة. يتجلى هذا التناقض في الابقاء على رفاهية استهلاكية مصطنعة ومؤقتة (وفي ظل علاقات القوى السائدة فان هذه الرفاهية المصطنعة لا توزع بشكل عادل) على حساب الاستثمار وبالتالي النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. لا تعني هذه الملاحظة ضرورة الحد من الانفاق الاستهلاكي بل ثمة حاجة وضرورة ملحة لزيادة الانفاق الاستثماري (شرط ضمان ادارة هذه الموارد بشكل صحيح) مقابل ترشيد النفقات التشغيلية بما يتيح امكانية التحكم باتجاهات الاستهلاك ليكون متلائما مع مرونة العرض الكلي للسلع والخدمات وبالتالي امكانية مواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن الاختلال بين جانبي العرض والطلب في اقتصاد مفتوح ذي اليات مطلقة السراح.
ومن جانب اخر، لا يمكن تقديم تفسير متكامل لطبيعة الخلل البنيوي المشار إليه أعلاه دون ربطه بتحليل بنية النفقات التشغيلية1 . حيث تتيح المعطيات المتوفرة في المصدر السابق تسجيل الملاحظات التالية
1- تشكل فقرة تعويضات الموظفين التي تشمل فقرتي (الرواتب والأجور والمخصصات، والرواتب والمكافآت التقاعدية) نسبة كبيرة من مجموع النفقات التشغيلية حيث تقدر بـ 50.17% (و 34.2% من اجمالي الموازنة)، أي أن ما يزيد عن ثلث النفقات السنوية الاجمالية واكثر من نصف النفقات التشغيلية بقليل يذهب الى فقرة الرواتب والاجور وما يماثلها من تخصيصات. ولا ينبغي استخلاص استنتاج عام بشأن هذه القضية دون ربط ذلك بالتضخم ووتائره العالية، ثم الحاجة الى معرفة هيكلية الأجور (توزيعها بين الفئات الدنيا والعليا) والتفاوت الواضح بينها، وكذلك انظمة الرواتب الخاصة المرتفعة جدا وان جرت عليها بعض التخفيضات.
2- من المتوقع ان يشهد الانفاق الامني والدفاعي نموا ملحوظا في عام 2012، حيث تشير تقديرات الموازنة الى ان تخصيصات الامن والدفاع تشكل 21.5% من اجمالي النفقات التشغيلية و 14.7% من اجمالي النفقات في عام 2012 .
3- لم يحدث تغيير ملحوظ بالنسبة لفقرة المنافع الاجتماعية ضمن إجمالي النفقات التشغيلية والتي ظلت تراوح في مكانها وتشكل 7.0% من مجموع النفقات التشغيلية و 4.8% من اجمالي الموازنة (وان زادت احجامها المطلقة)، وهذا يعكس الطبيعة الطبقية المنحازة للميزانية لغير صالح الكادحين وذوي الدخل المحدود. ولتوضيح هذه الملاحظة لا بد من الإشارة الى أن هذه الفقرة (تشمل عدة بنود منها: تخصيصات البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية وبدلات العسكريين ونفقات الإغاثة والمعونة للمهجرين وتعويض دعاوى الملكية وتعويضات بعض المحافظات وتعويضات الضحايا وتعويضات لجنة 140 والمنح المقدمة من قبل مؤسستي السجناء والشهداء ونفقات الحج والعمرة). وتشير المعطيات المتوفرة الى أن المبالغ المخصصة للبطاقة التموينية تشهد منذ عام 2009 انخفاضا في حجم المبالغ المخصصة. فمثلا خصصت ميزانية 2009 مبلغا قدره 4200.000 مليار دينار في حين تضمنت ميزانية هذا العام (2012) فقط 4000.000 مليار دينار. والاهم من ذلك أن حصتها في إجمالي النفقات التشغيلية ستنخفض في عام 2012 مقارنة بالاعوام السابقة (من 7.7% في عام 2009 الى 5.8% في عام 2010 الى 5.0% في عام 2012). ولهذا فان مثل هذا التخفيض المطلق والنسبي سوف يلقي اعباء اضافية على المستفيدين منها وستكون له تداعيات سلبية على البطاقة التموينية سواء من حيث تقليص مفرداتها ام نوعية ما تتضمنه من مفردات وهي التي تعاني من رداءة ملحوظة. ولا بد من إثارة الانتباه هنا الى أن التعامل مع البطاقة التموينية من منطلق أنها أعباء على الميزانية وبالتالي لا بد من التخلص منها او دفع تعويضات نقدية بدلا عنها (وهو ما يروج له فرسان الليبرالية الجديدة في بلادنا الواقعين تحت ضغوط صندوق النقد الدولي ومطالبه التي لا تنتهي) يمثل موقفا غير صحيح من الناحية الاجتماعية وقد تكون له آثار سلبية وقد حذرنا منه في مناسبات عديدة. فالبطاقة هذه يعتمد عليها وعلى محتواها (مكوناتها) قطاع عريض من الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة وان التقليص التدريجي سنويا لحصتها ضمن الموازنة التشغيلية قد يؤدي الى حدوث توترات اجتماعية وما يرافقها من تكاليف. لذا فان المهم أن يؤخذ بالاعتبار الآثار الاجتماعية الناجمة عن هذا التخفيض، وان لا يتم اللجوء الى اعتماد خطوات سريعة لإلغائها دون توفر بدائل عقلانية وهي ليست متوفرة اليوم ولن تكون كذلك على المدى المنظور. ويبدو أن واحدا من الحلول المعقولة في الفترة الانتقالية الاستثنائية هو اعتماد نوع من نظام للضمان الاجتماعي وتمويله ليس بالضرورة من خلال الميزانية بل عبر انشاء صناديق لهذا الغرض والتخطيط لذلك ضمن افق زمني وتثبيت ذلك مؤسسيا.
4- شهدت فقرة (الإعانات) التي كانت في السنوات السابقة تمثل تخصيصات الدعم المقدم للهيئات والشركات العامة المملوكة للدولة SOEs)) والتي توظف حوالي 633100 منتسب ابتداء من كانون الثاني 2010 تحولا مثيرا. فقد تضمنت " الأسس والمبادئ العامة " التي اعتمدت في اعداد موازنة 2012 النص التالي: " احدى عشر // من اجل الاتجاه نحو تشغيل شركات القطاع العام على اسس اقتصادية وتحقيقاً لمبدأ التمويل الذاتي لها فقد تم حجب مبالغ الدعم التي كانت تقدم لتلك الشركــات ( الا بعض الاستثناءات) للسنوات الماضية وترتيب اجراء حصولها على قروض من المصارف الحكومية بالتنسيق مع وزارة المالية مما يخفف العبء على الموازنة العامة ويدفعها بأتجاه تنظيم اوضاعها وتفعيل نشاطها ". واذا ما اخذنا بالاعتبار طبيعة الاوضاع التي تمر بها هذه الشركات فان اعتماد هذا " المبدأ " لتشغيل هذه المؤسسات " على اسس اقتصادية " لا يعني سوى شيء واحد هو ترك هذه الشركات تواجه مصيرها المحتوم: الافلاس، وبالتالي توفر الحجة لنسور الخصخصة دون قيد او شرط لتصفية هذه الشركات بذريعة افلاسها !
ثمة ملاحظة مهمة هنا تستدعي التوقف وتتعلق بحجم الانفاق الحكومي الضخم الذي ينبغي ان يخضع لتحليل علمي ينطلق من سؤال محدد وهو: هل يستطيع الاقتصاد العراقي في ظل اوضاعه الحالية؛ وانعدام وجود رؤية استراتيجية، وهيمنة الفساد الذي اصبح " مؤسسة صلدة "، ان يكون قادرا على تحمل هذا الحجم الهائل من الانفاق وادارته بكفاءة مستندا الى مبادئ الحساب الاقتصادي والعلاقات التفاعلية بين مكوناته وفروعه؟ فالمعروف ان الفساد الاداري والمالي اثر ويؤثر حتما" على اداء المالية العامة للدولة ويقلل من فرص انتفاع العراق من تلك الموارد ويؤخر تطوره الاقتصادي. واستنادا الى تجارب عالمية، يمكن القول ان هذه الكتلة النقدية موضوع حديثنا لا توافق اقتصادا يمر بمرحلة انتقال عاصفة ويعاني من فساد مالي واداري وسياسي واضح، ويشكل في بعض جوانبه تبذيرا للموارد الاقتصادية عندما لا تحسن السلطات المعنية ادارتها بطريقة صحيحة تضع في اولوياتها تجنب أي هدر لتلك الموارد وتحقق العلاقة المطلوبة بين الحاجات الراهنة للاقتصاد والمجتمع وبين حاجات ومتطلبات الاجيال القادمة. هذه الملاحظة تطرح قضية اخرى تتعلق بحجم العجز وضرورة تدشين نقاش اوسع بصدده لا يحصر نفسه فقط بالجانب الحسابي - الفني بل بالاثار الاقتصادية – الاجتماعية – السياسية المرافقة له.
إن مهندسي الموازنة الفيدرالية عندما اختاروا منطق " التوازنات المالية الكبرى " فقط، فإنهم بذلك اضاعوا فرصة حقيقية لبناء تصور شامل للنمو تتصدره العملية الاستثمارية. فميزانية النفقات التشغيلية التي تلتهم 68.2% من النفقات العامة هي نفقات تجري على حساب الاستثمار، الامر الذي يجعل الميزانية عاجزة عن خلق ديناميكية على مستوى النمو الاقتصادي الذي يشترط من بين ما يشترطه وجود استثمارات ضخمة تحتاجها البلاد حقا في هذه المرحلة. ففي ظل غياب النمو وافتقاد الاستقرار المالي، لا مجال لمكافحة الفقر ولا معنى لإعادة توزيع الثروة. إن النقص الحاصل في نفقات الاستثمار العمومي وعدم وجود اليات واضحة تضمن التوظيف العقلاني لهذه الموارد، من شأن ذلك كله أن ينمي الطبيعة المضارباتية- الخدماتية للاقتصاد العراقي. حيث في ظروف انعدام استراتيجية تنموية واضحة وخلل امني كبير، سيتم التوجه إلى القطاعات ذات الربحية السريعة دون إعطاء أية أهمية للقطاعات المنتجة. وسلوك من هذا النوع من شأنه أن يزيد من اختلال التوازنات الاقتصادية (ضعف المردودية، عدم تحقيق تنمية أفقية على كافة المستويات الاقتصادية...الخ).
مصادر تمويل العجز
من جانب اخر بلغت نسبة العجز 12.6 % من اجمالي الموازنة (16.9% في عام 2011) و 10.6% من اجمالي الناتج المحلي لعام 2012 (12% في عام 2011). وتوافقا مع السياسة المالية وبحسب قانون موازنة 2012 المعدل فان هذا العجز سيغطى من المبالغ النقدية المدورة في صندوق تنمية العراقDFI ومن الاقتراض الداخلي والخارجي ونسبة من الوفر المتوقع من زيادة اسعار بيع النفط او زيادة الانتاج.
ويخول قانون موازنة عام 2012 وزير المالية الاتحادي صلاحية الاستمرار بالاقتراض من صندوق النقد الدولي بما يكمل مبلغ (4.5) مليار دولار (اربعة مليارات وخمسمائة مليون دولار) ومن البنك الدولي بما يكمل مبلغ الـ (2) مليار دولار (اثنان مليار دولار) خلال سنة/2012، وبأستخدام حقوق السحب الخاص بـSDR بحدود(1.8) مليار دولار (واحد مليار وثمانمائة مليون دولار) لتغطية العجز المتوقع في الموازنة العامة الاتحادية اضافة الى الاقتراض الداخلي بموجب حوالات الخزينة.
وبهذا المعنى فان العجز سيمول اساسا من مصادر خارجية: من المدور في صندوق تنمية العراق ومن المنح الدولية وليس عن طريق الاقتراض المتزايد أو عن طريق طبع النقود. والاهم من ذلك ان حصة المؤسسات النقدية الدولية المؤشر اليها اعلاه تشكل حوالي 53.5% من اجمالي مصادر تمويل العجز. ولابد من الاشارة الى ان الخطورة في هذا النهج تكمن في تكريس تبعية واعتماد الاقتصاد العراقي على الخارج والحد من سيطرة الحكومة العراقية، على اتجاهات إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، مما يشكل في التحليل النهائي انتقاصاً للسيادة الوطنية.
ولا بد من الاشارة الى ان مهندسي الموازنة يراهنون مجددا ايضا، دون ان يشيروا الى ذلك علنا، على " امكانية الارتفاع في أسعار النفط الخام " للتغلب على العجز وهو رهان على عوامل خارجية ليست مؤكدة، فأسعار النفط الخام على الصعيد العالمي تتعرض للتذبذبات صعودا وهبوطا. وللتدليل على ذلك فان موازنة 2009 راهنت على سد الجزء الأكبر من العجز في ذلك العام عبر زيادة أسعار النفط الخام ولكن رهاناتها هذه لم تتحقق مما اضطرها الى تخفيض تقديرات الموازنة لثلاث مرات في ظل تراجع أسعار النفط الناجم عن الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعياتها المعروفة.
واذا كانت العودة الى حقائق التاريخ مطلوبة للاستفادة من تجاربه فانه لا بد من التذكير بان تجارب عديدة في بلدان أخرى كشفت عن مخاطر الرهانات على عوامل خارجية ومن بينها الانصياع الى وصفات المؤسسات المالية والنقدية الدولية. ومن هنا لا بد من إدخال الاعتبارات الاجتماعية والمصالح الاقتصادية الوطنية في الاعتبار عند رسم مسارات السياسة الاقتصادية والسير على طريق التنمية والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين في إطار الكفاءة والعدالة الاجتماعية.
وثمة حاجة ملحة هنا للتميز بين مفهومين مختلفين هما: العجز المالي/المحاسبي حيث عجز الميزانية يتمثل بزيادة نفقاتها على ايراداتها، اما المفهوم الثاني فهو العجز الاقتصادي/الاجتماعي حيث يرتبط العجز هنا بالاثار الاجتماعية الاقتصادية السلبية التي التي تنجم عن السياسة المالية المعتمدة وعن المنهج المتبع في اعداد الموازنة وتنفيذه. وفيما بين هذين العجزين يمكن أن تكون العلاقة طردية أو تكون عكسية. فليس عجز الموازنة المالي المحاسبي بالضرورة متلازماً مع الآثار السلبية الاقتصادية والاجتماعية، بل قد يترافق على العكس، بتحقق آثار إيجابية. والعكس صحيح أيضاً. فليس المهم هنا الرصيد الايجابي أو السلبي بل ما هو اهم ونقصد به الكيفية والوسائل التي يتحقق بها والتي تحكم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تتحقق معه.
استنادا الى الملاحظات اعلاه وبالعودة الى الملموس، اي العجز في الموازنة، فإنه ومنعا لأي التباس لا بد من قراءة صاحية للعجز في الموازنة الفيدرالية لعام 2012 والبحث عن مدلولاته الاجتماعية من خلال عدم التعامل معه باعتباره هدفا أو رقماً مجرداً بحد ذاته، بل لابد ان يستند تقييمه على الاجابة عن سؤال هام تتفرع عنه جملة من الاسئلة التكميلية: ماذا يعني تخفيض عجز الميزانية العامة بالنسبة للمتطلبات الاقتصادية والاجتماعية الملحة؟ وبالتالي:
- هل سينتج عن هذا الانخفاض تحسن في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية؟
- وهل سينتج عنه توزيع عادل للدخل القومي وتوزيع عادل للاعباء الضريبية؟
- وهل سيؤدي تخفيض العجز الى خلق مناصب عمل جديدة وبالتالي الى تراجع معدلات البطالة وتقليص التهميش الاجتماعي؟
- وهل سيؤدي إلى تحسين في جودة خدمات المرافق العمومية؟
هذه الاسئلة، وغيرها ايضا، تعد جزءا مهماً من اسئلة ضرورية، وتحتاج الى اجابة واضحة قبل الحكم على العجز المذكور.
اذا عدنا لعجز الموازنه (وقد روج في الموازنات السابقة ان هذا العجز هو مجرد عجز حسابي وقد انتقدناه في مقالة سابقة) فانه يمكن القول انه خطير. فطبقا لمعيار ماستريخت للإستقرار النقدى في الاتحاد الاوربي لا يجوز أن تتخطى نسبة عجز الموازنه عن 3% من الناتج المحلي الاجمالي في حين يبلغ عدنا 10.6% أي انه اكثر بثلاث مرات عن المعيار الدولي. ومعروف للمهتمين باشكالية العجز ان مثل هذه النسبة في موازنة 2012 ستولد ضغوطا تضخمية ستكون لها أثار إقتصادية واجتماعية سلبية، مما سيضع نسبة التضخم التي اعتمدتها الموازنة (5%) موضع تساؤل ويمكن توقع نسبة اعلى وبالتالي مشاكل اكثر.
ولا نعثر في مشروع الميزانية على تقديرات لمعدلات النمو الاقتصادى لعام 2012 ولكن الخطة الاقتصادية 2010 -2014 اشارت الى انه من المتوقع ان يبلغ 9.38% كمعدل سنوي. علما ان الخطة المذكورة تربط ذلك بتنويع الاقتصاد وتحسين بنيته والقضاء على البطالة.. الخ، في حين ان ارقام الموازنة لا تتيح تحقيق ذلك. وللتدليل على ذلك نشير الى ان حصة الواردات النفطية تشكل اكثر من 92.2% من اجمالي ايرادات عام 2012 في حين تبلغ التخصيصات للقطاع الزراعي 2.1%، اما الصناعة فخصص لها 1.2% من الاجمالي. ويمكن القول ان معدل النمو المقترح هو معدل طموح وربما غير واقعي، واذا لم يتحقق فهذا يعني ان القصور في الإيرادات سيكون اكبر من القصور في المصروفات مما يعنى ان العجز الكلى سيكون اكبر مما جاء في المشروع المقدم من وزير المالية، وهذا معناه زيادة الاقتراض مما يؤدى الى ارتفاع معدل التضخم والانصياع الاكبر لمنطق العوامل الخارجية المؤثرة على النمو.
ومن المؤكد انه في ظل التفاوت الطبقي الواضح في البلاد فانه لا يمكن القبول بتفسير العجز بشكل عام ومن دون تحديد ملموس، بل لا بد من ربط ذلك بسؤال اخر: ما هي القوى المتضررة من هذا العجز؟ والجواب ان المتضرر الاكبر هو المواطنون من ذي الدخل الثابت والمحدود، أي ان نظام علاقات الانتاج السائد يعيد توزيع اثار العجز لصالح القوى المتنفذة وبالضد من مصالح الكادحين ومحدودي الدخل مما يعني ان الموازنة السنوية طبقية الطابع وليس مجرد واردات ونفقات وارقام صماء مجردة من أي روح.
وهكذا يتضح لنا، ان ظاهرة العجز بالموازنة العامة للدولة هي ظاهرة مركبة ومعقدة، ولا يجوز ارجاعها الى سبب واحد ووحيد، مثلما تفعل بعض الكتابات التي عادة ما تسطح الامور وتمسك بتلابيب مظاهرها دون الخوض في جوهرها. فهناك شبكة معقدة من العوامل والمؤثرات التي ساهمت في حدوث هذا العجز، وهي عوامل ومؤثرات بعضها يعود الى التغيرات التي حدثت في النفقات العامة، وبعضها الاخر يتعلق بالتغيرات التي حدثت في الموارد العامة للدولة. كما لا بد من التذكير بان الاهمية النسبية لتلك العوامل تختلف من بلد لاخر، ومن فترة لاخرى. ومن هنا تبدو خطورة التعميم، وبالتالي لن تكون هناك " وصفة " عامة تصلح لجميع البلدان لمواجهة هذا العجز.
الحاجة الى مقاربة اخرى لاشكالية العجز
خلاصة الامر، إن اتجاه العجز في الموازنات السنوية وتفاقمه يعكس اختلالا هيكليا وليس شكليا. ولهذا يمكن القول أن العجز في موازنة 2012 ليس عجزا حسابيا بل هو عجز بنيوي. ولا يمكن معالجة هذا النوع من العجز إلا من خلال مقاربة أخرى وهي مقاربة مفقودة في موازنة 2012، كما في موازنات السنوات التي سبقتها.
إن المقاربة الأخرى التي ينبغي تدشين نقاش مجتمعي بصددها هي التي تنطلق من إعادة النظر في نمط الأولويات المعتمدة من طرف الحكومات المتعاقبة. وهذا لا يتطلب حلولا ترقيعية او اعتماد سياسات الهروب الى الامام، بل لا بد من رؤية اجتماعية - سياسية تختلف عن تلك الرؤية التي حكمت نمط توزيع الأولويات للإنفاق الحالي، رؤية تنحاز للعقلانية الاقتصادية، والتنمية، وللعدالة الاجتماعية. وهذه، في الواقع العملي، قضية كثيرا ما أهملت عند صياغة الموازنات السنوية، السابقة والحالية، ووسائل تمويل العجز الحاصل فيها.
ليس الأمر مجرد لعبة ارقام... بل إنه يتعلق بالرهانات الكبرى للمجتمع والرؤية الواضحة في تحقيقها. نحتاج هنا، في الواقع، الى تعريف دقيق للعجز وليس اللجوء الى لعبة الأرقام التي هي إحدى وسائل التعتيم على واقع يتمرد على " صانعيه ".
القسم الأول