الاقتصاد السياسي لموازنة 2012 .. أسئلة تبحث عن إجابات واضحة 1-5 / د. صالح ياسر PDF طباعة أرسل إلى صديق
الإثنين, 16 كانون2/يناير 2012 09:51

 alt

 

بداية لا بد من الاشارة الى ان الاقتصاد العراقي يعاني، في الظروف الراهنة، العديد من المشكلات ذات الطبيعة البنيوية، منها ما يشعر به المواطن العادي يوميا مثل مشكلة البطالة، وتردي الخدمات، والمواصلات، وتردي النظام الصحي، وضعف مستوى التعليم بمختلف مراحله، والمخاطر الامنية، الغلاء المتواصل وتدني مستويات المعيشة..الخ، ومنها ما لا يشعر به مباشرة، ولكنها تنعكس في النهاية في تفاقم اوضاع معيشته مثل استمرار الطابع الريعي – الخدماتي للاقتصاد الوطني، وتباطؤ نمو القطاعات الانتاجية وخصوصا قطاعي الزراعة والصناعة، والتطور المتفاوت للاقتصاد الوطني، وانعدام رؤية اقتصادية – اجتماعية تعرف ما تريد عمله لتحل محلها

المعالجات الجزئية.. الخ.

هذه الملاحظة ضرورية للتمهيد الى حقيقة انه وعند قراءة المعطيات التي تضمنتها الموازنة السنوية لعام 2012 نحتاج، في الواقع، الى تدشين نقاش بعيد عن العموميات حول المضمون الاجتماعي/الطبقي لهذه الموازنة، ومدى صدقية السياسات المالية والاقتصادية المتبعة، وقدرتها على المساهمة في تقليص الفوارق الاجتماعية العميقة والتي تزداد باستمرار، والارتقاء بالأحوال المعيشية للطبقات والفئات الاجتماعية التي تضررت من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتمدها النظام الديكتاتوري المقبور. فالمعلم المميز لهذه الفترة والتي تأتي أيضا امتدادا للفترة التي سبقتها اي فترة النظام الدكتاتوري، هو تفاقم التفاوتات الاجتماعية، وتعمق الفرز الطبقي والاجتماعي، وتفاقم البطالة وبمديات واسعة، وتعاظم التهميش الاجتماعي بشكل خطير مما بات ينذر بتوترات اجتماعية قد يكون من الصعب السيطرة عليها فيما لو تفجرت التناقضات المكبوتة اليوم بفعل عوامل عديدة، بعضها يقع خارج الاقتصاد طبعاً.
بداية لا بد من التاكيد على نقطتين اساسيتين هنا واعني بهما:
أولا: الجانب الحقوقي، والمتمثل في أن الموازنة العامة هي عبارة عن آلية قانونية لتنظيم نفقات الدولة ومواردها، وهذا هو جانبها الشكلي.
ثانيا: الجانب الاجتماعي – السياسي أي مضمون الموازنة، ويعني أن الموازنة العامة السنوية أداة سياسية تترجم مصالح وفلسفة القوى المسيطرة في المجتمع حتى وان تبجح مهندسوها بانها مصممة للجميع. وفي هذا المجال فإن تحديد المرجعيات الفكرية للموازنة العامة في العراق لا يجب أن ينفصل عن البحث عن أشكال سيطرة القوى المهيمنة وعن أسلوب ترجمة مصالح هذه القوى عبر بلورة القوانين المالية الكفيلة بضمان هيمنة هذه القوى على الصعيد الاقتصادي، ومن ثم توظيف ذلك على الصعيد السياسي.
المرجعيات والاسس والمبادئ العامة لاعداد موازنة عام 2012
على طريق بناء فلسفة الموازنة العامة لسنة/2012 انطلق معدوها من تحديد مرجعياتها و اهدافها. وفي هذا المجال جرت الاشارة في مقدمة " الاسس والمبادئ العامة لاعداد تقديرات الموازنة العامة للدولة " الى ان الموازنة تستمد اهدافها من المرجعيات الاربع الاتية :
- سياسات الحكومة المدرجة في خطاب دولة رئيس الوزراء في الاجتماع الاول لحكومة الشراكة الوطنية بتاريخ 22/12/2010.
- موازنة عام 2011 .
- خطة التنمية الوطنية الصادرة في أيار 2010 .
- إستراتيجية مكافحة الفقر الصادرة في تشرين الثاني 2009 ".
الا ان هناك مرجعية اخرى، مهمة للغاية، لم يرد ذكرها هنا ولكننا نعثر عليها في رسالة وزير المالية الى مجلس الوزراء وهو يحول موازنة 2012 الى المجلس المذكور. ضمن الرسالة نعثر على النص الآتي الذي يشير الى ان الموازنة: " اعدت وفق الاسس العلمية والمعايير الدولية والمبادئ والاولويات التي اعتمدت عليها وتوجيهات صندوق النقد الدولي IMF (التخطيط مني – ص.ي) بشأنها ".
المرجعية الخامسة، إذن، يمثلها " اللاعب الدولي "، و هو صندوق النقد الدولي، وكما معروف لا يمارس الصندوق المذكور دور لاعب احتياط يجلس على دكة البدلاء.. انه عادة ما يمارس في البلدان النامية، ومنها بلادنا، دور لاعب الهجوم وصانع الالعاب!. لن اعلق على تأثيره في اعداد الموازنة ولكن اترك الامر للقارئ اللبيب ليكتشف بنفسه هذا الدور من خلال الفقرات اعلاه والعديد من الملاحظات اللاحقة.alt
واستنادا الى المرجعيات اعلاه تم تحديد جملة من الأسس والمبادئ العامة التي اعتمدت لإعداد تقديرات الموازنة العامة لسنة/2012 والمتمثلة بما يأتي:
اولا- اعطاء الاولوية لتحقيق الامن والاستقرار وتوفير مستلزمات انجاح الخطط الامنية التي من شأنها مساندة المصالحة الوطنية.
ثانيا- بناء القدرات الذاتية للوزارات والدوائر والهيئات والشركات العامة للدولة لتمكينها من تقديم واشباع الحاجات والخدمات الاساسية للمواطنين عن طريق تنمية القدرات واكتساب المهارات لجميع المستويات الوظيفية في دوائر الدولة.
ثالثاً- العمل على صياغة الية مناسبة لتحسين القدرات التنفيذية للوزارات بما يؤمن الوصول الى موازنة ذات مرونة عالية من اجل تحقيق الاهداف المتوخاة لموازنة سنة/2012 من خلال الوصول الى رؤيا متوسطة الامد تهدف الى تقليل العجز.
رابعاً- السعي الى تحقيق التوازن بين الايرادات والنفقات بما يؤمن التقليل النسبي لعجز (الفجوة) الموازنة وتخفيف عبء الدين العام.
خامساً- توزيع التخصيصات بين النفقات و المشاريع لتحقيق التوازن المطلوب بين تقديم الخدمات العامة وتحقيق معدل نمو اقتصادي مناسب بهدف التوسع في عملية الاعمار واعادة الاعمار وتطوير البنى التحتية لتوفير المناخ المناسب لجذب الاستثمارات.
سادساً- التركيز على اعمار البنى التحتية لتوفير وتهيئة مستلزمات البناء الاقتصادي وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين.
سابعا- من اجل الوصول الى الاهداف المتوخاة لموازنة سنة/2012 تم التركيز على تحسين القدرات في مجالات الامن والدفاع الوطني ومشاريع القطاع النفطي والطاقة الكهربائية وخدمات البنى التحتية الاساسية والارتكازية والعمل على امتصاص او معالجة البطالة من خلال تنمية القطاعات والانشطة وتنفيذ المشاريع وبناء القدرات كذلك العمل على تحسين البيئة وضمان حقوق الانسان وتوفر فرص عمل لأمتصاص البطالة.
ثامناً- التأكيد على اهمية تنفيذ المشاريع من قبل الشركات والمقاولين المحليين الا في الحالات التي تتطلب الخبرة الاجنبية وذلك تماشياً مع استراتيجية الدولة المعتمدة في توفير فرص العمل والاسهام في تقليل البطالة.alt
تاسعاً- لغرض توفير التخصيصات المعدة للانفاق يقتضي توفير الموارد المالية اللازمة الكافية لسد الجزء المهم من تلك التخصيصات الامر الذي يقتضي تظافر الجهود لتعزيز قدرات الاجهزة المسؤولة عن متابعة وجباية الايرادات المتنوعة بأعتبارها مصادر التمويل التي تعكس اهمية النشاط الاقتصادي وانسيابية اعمال الدوائر والمؤسسات في رفد الموازنة بالموارد المالية وعودتها الى الوضع الطبيعي.
عاشراً- العمل على تنشيط القطاع الخاص ومنحه التسهيلات اللازمة لخدمته وتنميته ليكون قائداً لدفع عجلة التقدم وتحقيق التنمية.
احد عشر - من اجل الاتجاه نحو تشغيل شركات القطاع العام على اسس اقتصادية وتحقيقاً لمبدأ التمويل الذاتي لها فقد تم حجب مبالغ الدعم التي كانت تقدم لتلك الشركــات ( الا بعض الاستثناءات) للسنوات الماضية وترتيب اجراء حصولها على قروض من المصارف الحكومية بالتنسيق مع وزارة المالية مما يخفف العبء على الموازنة العامة ويدفعها بأتجاه تنظيم اوضاعها وتفعيل نشاطها.
اثنا عشر- لا تزال الايرادات المتأتية من تصدير النفط الخام تشكل المورد الاساس للموازنة العامة ومن اجل تنويع مصادر تمويل الخزينة العامة فأن جملة من الاجراءات لا بد من اتخاذها لتحقيق ذلك ومنها :-
• الاسراع بتفعيل قانون التعرفة الكمركية والذي تم ايقافه .
• اتخاذ الوزارات والادارات المعنية الاجراءات السريعة والفعالة من اجل جباية خدمات الماء والكهرباء والمجاري خاصة على مستويات الاستهلاك العالي وكذلك رسوم الاجازات والرخص والرسوم المختلفة والغرامات .
• العمل على تفعيل الهيئة العامة للضرائب والقيام بدور فعال في استحصال الضرائب المختلفة.
ثلاثة عشر- انسجاماً مع فلسفة الدولة ونهجها وجهنا في مشروع الموازنة بضرورة ان تبدأ الوزارات والمحافظات بعدم تنفيذ المشاريع التي يمكن ان تكون فرصاً للمستثمرين المحليين او الاجانب من اجل توسيع نشاط الاستثمار الخاص وتعجيل عمليات البناء والاعمار وتركيز الوزارات والمحافظات على المشاريع الاخرى التي لا يقدم عليها المستثمر خاصة مشاريع البنى التحتية.
اربعة عشر - اننا في الوقت الذي عملنا ما بوسعنا في سبيل وضع الموازنة بما يخدم مصلحة البلد والمواطن فأننا بلا شك لا نستطيع تلبية كافة الاحتياجات والمتطلبات والبرامج وحاولنا ان نركز على الاولويات بالقدر المستطاع ونؤكد هنا بأن التقديرات قد وضعت على اسس مدروسة ومراجعة دقيقة وان ما ظهر هو افضل ما يمكن ان نقدمه ".
مستويات قراءة الموازنة العامة لسنة/2012
نظرياً، هناك عدة مستويات لقراءة الموازنة وكل قراءة مشروطة طبعاً بظروفها والصعوبات المنهجية والعملية التي يواجهها من يقوم بعملية القراءة. فهناك القراءة التي تركز على المستوى المنهجي في إعداد ميزانية الدولة، وهناك القراءة التي تسلط الضوء على المستوى التقني والمحاسباتي. غير أن هاتين القراءتين تواجهان صعوبات عديدة لا يتسع المجال هنا للدخول في تفاصيلها.
ولهذا وتجنبا للصعوبات ومن اجل تجاوز التخمين والحدس، يمكن اللجوء الى قراءة ثالثة. بموجب هذه القراءة يتم التعامل مع الميزانية العامة باعتبارها أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، حيث يتوفر للمهتم بهذه الإشكالية، باعتماد هذه القراءة، معطيات موضوعية يمكنه أن يساءل من خلالها الميزانية.
سنحاول هنا تقديم قراءة لموازنة 2012 اعتمادا على المعطيات العامة المرتبطة بها. وسنسعى هنا للتركيز على طرح مجموعة من الاسئلة، عن مغزى المؤشرات الرقمية للموازنة لعام 2012 سواء من خلال بنية النفقات العمومية أو بنية الإيرادات العمومية والعجز وطبيعته، وعن كيفية تقدير السياسات الاقتصادية والاجتماعية من خلال هذه الموازنة مما يتيح كشف المغازي الطبقية لهذه الموازنة وما هي القوى المستفيدة منها من جانب والمتضررة منها من جانب مما يتيح البرهنة على أن الموازنة ليس مجرد مجموعة ارقام محايدة بل تعبير عن تناسبات القوى في لحظة تاريخية ملموسة.
ومنعا لاستخلاص استنتاجات غير دقيقة لا بد من التأكيد على أنه لا يمكن فهم جوهر الموازنة الحالية بمعزل عن " فرادة " العمليات السياسية والاقتصادية/الاجتماعية الجارية منذ التغيير الذي حدث في 9/4/2003 وطبيعة القوى التي نفذته والتداعيات التي تلته. ثمة ميزان قوى جديد نشأ منذ لحظة تلك، تتأثر حركته واتجاهاته، في معظمها، وتخضع لتأثير موازين القوى السائدة ، وتترجم ماليته هذا الخضوع بشكل واضح.
جولة سريعة في خطاب
وزير المالية
قبل عدة اسابيع حول وزير المالية د. رافع العيساوي الموازنة الاتحادية لعام 2012، والتي تعد اكبر ميزانية في تاريخ العراق المعاصر، وذلك الى كل من : " دولــــــة السيــــد رئـــيس مجـــلس الـــوزراء المحتـــرم؛ معالي السادة نواب رئيس مجلس الوزراء المحترمون، معالي السادة الوزراء المحترمون " مشيرا في رسالته الى ان هذه الموازنة " اعدت وفق الاسس العلمية والمعايير الدولية والمبادئ والاولويات التي اعتمدت عليها وتوجيهات صندوق النقد الدولي IMF بشأنها ".
واخيراً " من خلال اجتماعات مع صندوق النقد الدولي وبحضور دولة رئيس الوزراء ولاحقاً بحضور اللجنة البرلمانية في مجلس النواب تم التوصل " حسب رسالة د.العيساوي الى جملة من الاجراءات الاضافية:
1- ان تتم اعادة النظر بتقديرات النفقات التشغيلية التي توصلت اليها اللجنة المشكلة في الامانة العامة لمجلس الوزراء من خلال الأخذ بنظر الاعتبار نسبة التخفيض (4%) الواردة بأحكام المادة (3) من قانون الموازنة الاتحادية رقم (12) لسنة / 2011 والتي لم يجر صرفها والبالغة (2.7) ترليون دينار.
2- تخفيض مبلغ (6.1) ترليون دينار من اجمالي النفقات الاستثمارية المقترحة لعام / 2012 .
3- تأجيل الزيادة المقترحة بشأن الرواتب التقاعدية من خلال دفع نصف المبلغ والنصف الآخر يؤجل الى موازنة عام / 2013 أو عند اعداد موازنة تكميلية في حالة زيادة ايرادات صادرات النفط الخام عمّا هو مخطط بالموازنة.
4- ادراج تخصيصات رواتب منتسبي الشركات العامة التي تمول عن طريق الاقتراضات من المصارف الحكومية والبالغة (3.597) ترليون دينار ضمن موازنة عام / 2012.
5- ترحيل كافة الاضافات التي صدرت بشأنها قرارات مجلس الوزراء الى موازنة عام / 2013 أو عند تحقق وفورات في صادرات النفط الخام المصدر لعام / 2012 والموضحة بالجدول المرفق طياً.
6- تحويل كافة الزيادات في الايرادات الى المشاريع الاستثمارية لتنمية الاقاليم في المحافظات كافة