| السياسة النقدية والاقتصاد الوطني / محمد شريف أبو ميسم |
|
|
|
| الأربعاء, 18 كانون2/يناير 2012 09:32 |
|
منذ أن شرع البنك المركزي العراقي في اتباع سياسته النقدية لخلق استقرار نقدي في البلاد من خلال رفع سعر الفائدة على ودائع المصارف بغية سحب الكتلة النقدية واقامة مزاد يومي لبيع وشراء الدولار .. كانت العديد من الأصوات تطالب بدور أكثر مرونة للبنك من أجل التخفيف من هذه السياسة الانكماشية وتشجيع المصارف على رفع نسب الائتمان، باتجاه دفع عجلة التنمية والنهوض بالقطاعات الحقيقية وبالتالي الحد من الحالة التضخمية عن طريق أدوات اقتصادية أخرى تتمثل بخلق منتجات وطنية تحد من الاستيراد وتشجع السلطات الحكومية على تفعيل قوانين التعرفة الكمركية وحماية المنتج
المحلي . ومابين هذه الأصوات وسياسة البنك المركزي "التي استطاعت فيما بعد أن تحقق نجاحات على المستوى النقدي ، حيث خلقت استقرارا واضحا في سعر الصرف على مدار سنوات " كان ثمة تقاطع أصرت عنده تلك الأصوات على ان هذه النجاحات التي حققتها السياسة النقدية ، لا تمثل فعلا حقيقيا في الاقتصاد الكلي جراء الانخفاض المستمر في معدلات النمو .. وان الاستقرار النقدي في البلاد مهدد في أية لحظة تشهد فيها الاقتصادات العالمية ارتفاعات في معدلات التضخم جراء ارتكاز الاستهلاك المحلي على السلع المستوردة وانفتاح السوق .. وكان البنك المركزي يؤكد في تصريحات مسؤوليه ان الارتفاعات في معدلات التضخم في البلاد ، مردها ( التضخم المستورد ) ومعالجة هذا النوع من التضخم مسؤولية السلطات الأخرى .. وبقي البنك يراهن على قدرته في السيطرة على أسعار الصرف في السوق المحلية مع تصاعد احتياطياته النقدية الى حدود 60 مليار دولار. وكان آخر بيان للبنك بعد ارتفاع أسعار الصرف على اثر المتغيرات التي شهدتها البلاد بعد انسحاب قوات الاحتلال "ان هذه الارتفاعات هي فقاعات سعرية وان البنك قادر على ضبط أسعار الصرف في السوق المحلية " ولكن سرعان ما أقر أحد مسؤولي البنك بعد توقف المعاملات البنكية والمصرفية في بلدين مجاورين للعراق ان ارتفاع مبيعات البنك من العملة الصعبة من شأنها أن تسبب ضغطا على مزاد البنك وعلى احتياطياته من العملة الصعبة التي من شانها أن تتناقص بسبب ذلك" مطالبا وزارة التجارة بوضع ضوابط للاستيراد من خلال منح إجازات الاستيراد، وتفعيل قانون التعرفة الكمركية، مؤكدا انه لا يمكن أن يترك البنك المركزي لوحده في مواجهة السوق ومشاكلها". وهذا الاقرار يكشف وبوضوح عجز السياسة النقدية في المحافظة على الاستقرار النقدي بمعزل عن السياسات الأخرى .. مايعني ان مطالبات البعض بضرورة أن ينسق القائمون على السياسة النقدية مع أقرانهم المعنيون بالسياسات الأخرى لدعم عملية التنمية كانت في محلها ، وان النجاحات التي تحققت في الشأن النقدي والتي كانت موضعا للتفاخر من قبل السلطة النقدية ، كان يمكن أن تسجل معدلات أقل لو ان السياسة النقدية كانت أكثر مرونة لصالح دعم القطاعات الحقيقية ورفع نسب الائتمان المصرفي لهذه القطاعات ، وبالتالي فان ما يحصل في دول المنطقة الذي سينسحب حتما على المشهد الاقتصادي العراقي ربما سيكون أخف وطئة مما يمكن أن يكون عليه الآن ، وهذا لا يخلي مسؤولية القائمين على القطاعات الاقتصادية الأخرى. ان الجهات القائمة على السياسات الاقتصادية بمختلف قطاعاتها مطالبة بهذا الوقت - الذي تشهد فيه البلاد والمنطقة الكثير من التداعيات - ببرنامج مشترك للخروج بالاقتصاد الوطني من أزماته الحالية واستشراف التوقعات باتجاه وضع المعالجات لما يمكن أن يتعرض له الاقتصاد الوطني الذي قد لا يتحمل المزيد من الكبوات . |