ديمقراطية الغرب الناقصة "التجسس على اليسار يقوض قيم الديمقراطية البرلمانية" / رشيد غويلب PDF طباعة أرسل إلى صديق
الثلاثاء, 31 كانون2/يناير 2012 19:58

 alt

أثار تقرير أصدرته مجلة "دير شبيغل" الالمانية واسعة الانتشار،في الثاني و العشرين من الشهر الماضي، أثار زوبعة سياسية وقانونية في الاوساط الالمانية مازالت مستمرة بالتفاعل، وقد عكس التقرير حجم التجسس الواسع الذي تمارسه المخابرات الالمانية بحق حزب اليسار الالماني الذي يملك الكتلة البرلمانية الثالثة (76 نائباً) متقدما على حزبي الخضر، والليبرالي الحر.يكشف التقرير قيام المخابرات بالتجسس على 27 نائبا يسارياً، المعلومات اللاحقة كشفت ان العدد يصل الى 42 نائبا في البرلمان الاتحادي، واعداد اخرى من نواب الحزب في برلمانات الولايات، وضمت قائمة الاسماء رئيسة الحزب "غيزينه لوج" ورئيس الكتلة البرلمانية "غريغور كيزي" ونائبة رئيس البرلمان الالماني عن حزب اليسار "بيترا باو" المنتخبة لهذا المنصب بأغلبية الاصوات .
لا يقتصر تجسس المخابرات على حزب اليسار بل هو امتداد لسياسة معاداة الشيوعية سيئة الصيت الموروثة من ايام الحرب الباردة و التي كان ضحيتها كل الناشطين اليسار من شيوعيين و ماركسيين على اختلاف مدارسهم الفكرية وكل الساعين الى العدالة الاجتماعية، في اطار بديل جذري للراسمالية، وهي تشمل اليوم، بتزايد مستمر كل القوى الاجتماعية التي تناهض السياسة الحالية للحكومة الالمانية، وخصوصا ما يتعلق بقضية مقاومة النازية الجديدة و اليمين الشعبوي، اذ تعتمد الحكومة سياسة تجريم هذه المقاومة بهدف اعاقتها او الحد منها.
السنوات التي اعقبت نهاية النموذج الاشتراكي في جمهورية المانيا الديمقراطية كانت حافلة بحرب ضروس ضد مراجعة قوى اليسار لمواقفها و محاولة اعادة تنظيم صفوفها، و قد تنوعت الاساليب ضد "حزب الاشتراكية الديمقراطية" باعتباره خلفاً "للحزب الاشتراكي الالماني الموحد" الذي حكم المانيا الديمقراطية السابقة، واستخدمت في هذه الحرب جميع الاسلحة المتاحة، من مصادرة اموال و ممتلكات الحزب، واشغاله بجولات قضائية طويلة و منهكة استعاد بعدها جزءاً يسيراً من هذه الممتلكات ، الى اتهام قيادته الميدانية ووجوهه البارزة بالعمل لصالح "وزارة امن الدولة" السابقة، مرورا بإثارة ملف علاقات الحزب بالاحزاب الشيوعية و حركات التحرر في البلدان المختلفة، باعتبار هذه القوى قوى "متطرفة و عدوة للديمقراطية".

مناقشات حامية في البرلمان

بناء على طلب من كتلة حزب اليسار ناقش البرلمان الالماني هذه الفضيحة السياسية و الد ستورية،. وزير الداخلية الالماني " بيتر فريدرش" من الحزب الاجتماعي المسيحي" الاكثر يمنية والذي يقترب في بعض مواقفه، خصوصا تجاه اليسار من مواقف النازية الجديدة، بدا واضحا في موقفه "ان هناك حقا ملامح يتبناها "حزب اليسار" او قوى داخله تسعى لاقامة دكتاتورية البروليتارية على النمط الماركسي – الليليني ، و لهذا يرى هذا الوزير الديمقراطي ضرورة استمرار جهاز المخابرات بالتجسس على الحزب وقوى اليسار الاخرى، متهما اياها بتوظيف الحقوق الديمقراطية لحماية " الفوضويين والمتطرفيين اليسارين" منتقدا حزب اليسار لرفضه الحرب في افغانستان باعتبار ان ذلك يحد من الدفاع عن "الحقوق الديمقراطية" ، مذكرا ان لحزب اليسار علاقات مع احزاب كردية مسلحة ممنوعة، في اشارة لحزب العمال الكردستاني (ب ب ك)، متناسيا و صامتا عن تواطؤ و علاقات حزبه المسيحي الاجتماعي الطويلة و عمله المشترك مع ديكتاتورية بينوشيت في تشيلي و نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا.

المتحدث باسم الحزب الليبرالي الحر المشارك في التحالف اليميني الحاكم تجاهل جوهر المناقشة متحدثا عن" غرابة المان الغرب" و " معقولية جزئية لدى المان الشرق" ليحافظ على برقع "الدفاع عن الحريات" الذي يرتديه حزبه. احزاب المعارضة الاخرى حاولت توظيف المناقشة لتوجيه النقد للحكومة و ادائها دون ان تعلن عن موقف تضامن صريح مع حزب اليسار، اذ اكد ممثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي على عدم قدرة اداء وزير الداخلية الارتقاء الى مستوى المهام المناطة به.
ممثلو حزب اليسار اكدوا الطبيعة غير الديمقراطية و الجائرة لهذه الممارسات معيدين الى الاذهان ما صدر عن حزبهم من مواقف بهذا الخصوص.
ردود افعال حزب اليسار
كان رد فعل حزب اليسار سريعا من خلال تصريح اصدرته قيادته بالاجماع، في اليوم الاول لنشر التقارير المذكورة، تحت عنوان "التجسس على اليسار يقوض قيم الديمقراطية البرلمانية" تناول الحدث من جميع جوانبه الفكرية و السياسية و التاريخية مما جاء فيه: " ان التجسس على نواب حزبنا يندرج ضمن سياق قانون حظر الوظائف (مرت قبل ايام الذكرى الأربعين لإصدار قوانين تمنع الشيوعيين و اليساريين من العمل في الكثير من المجالات الحكومية-المحرر)، ويقوض قيم الديمقراطية البرلمانية، ولقد وصل التعامل ذروته عندما تسحب الحصانة البرلمانية في بعض الولايات من البرلمانيين اليساريين، ويجري في الوقت نفسه غض النظر عن نشاطات اليمين المتطرف ووسائل تمويله". رئيس الكتلة البرلمانية للحزب وجه رسالة للرئاسات الثلاث مطالبا اياها بالعمل على الايقاف الفوري لعمليات المراقبة لانها تتعارض مع روح الدستور و تقلب معادلة ممارسة الرقابة، مذكرا ان مهمة الرقابة على عمل جهاز المخابرات هي من صلب مهام البرلمان الاتحادي، مشددا على الطبيعة الديمقراطية للحزب و التزامه بالدستور في مجمل نشاطه داخل و خارج البرلمان. يذكر ان الحركات الاجتماعية، واحزاب و قوى اليسار الالماني الاخرى اعلنت عن تضامنها مع نواب اليسار المشمولين بالمراقبة، واستعدادها للمشاركة في جميع النشاطات التي تدين هذه الممارسة الشائنة التي تهدف الى الحد من تنامي دور اليسار و تأثيره في المجتمع الالماني، وانها معنية بايقاف هذه السياسات المؤذية التي تشمل جميع الساعين الى بديل اكثر انسانية يتجاوز الرأسمالية وأزماتها المتوالية.