|
الثلاثاء, 21 شباط/فبراير 2012 20:11 |
اليد....ذاك هو السؤال ؟
وتلك هي الخطوة الحاسمة التي يقول عنها أنجلز والخاصة بالعمل من.."أن اليد قد تحررت"! بفضل العمل..انه الشرط الأساس لكل حياة إنسانية. عند ذاك غدا بوسع اليد أن تكتسب أكثر فأكثر مهارات جديدة, كما أنها ليست اداة للعمل وحسب, بل هي أيضا نتاج العمل. الشيء المذهل في هذا التفسير الماركسي أن يدرج مثلا رائعا في التطبيق الخلاق للمعرفة من أن "يد الإنسان وصلت لهذه الدرجة العالية من الإتقان والتي استطاعت فيها أن تفجر, كقوة سحرية عجائب لوحات روفائيل وتماثيل نورفالدس وموسيقى باغايتني. من المؤكد أنها لم تكن منعزلة بل كان ما يفيد اليد, كان يفيد الجسد كله الذي كانت تعمل في خدمته".
ما إن حطت أقدامي هذه المدينة التاريخية (كربلاء) التي ليس فيها شيء بارز وقتذاك سوى تلك القبتين الذهبيتين وجدرانهما المطرزة بشريط من الكاشي الشذري المعروف بالكربلائي، وقد خطت عليه آيات قرآنية بالخط الكوفي وحولهما عدد من البنايات الحكومية الأثرية كتبت عبارة "ادخلوها بسلام آمنين" بذات الخط الذي يأخذ أشكالا هندسية, على مدخل بيوتها, وأسواقها, وحماماتها.
تلك الجملة الشهيرة التي لم أرها في مدن أخرى ولكني استغربت أيضا من أن معظم الكتب التراثية والمجلات التي تعنى بالتاريخ والأدب والفن ومعهما النشرة الدورية للوقائع العراقية التي تصدرها وزارة العدل زينت أغلفتها بالكوفي. ولكن اللحظة التي استفزتني ودعتني لكتابة هذا النص تلك المعزوفات البديعة للاوركسترا المصرية وهي تقدم عمل ألف ليلة وليلة للموسيقار علي إسماعيل. وكأن هناك ارتباطاً وثيقاً تشكل بين الخط والعمل الفني.
سقت هذه الاستهلالية القليلة السطور لألج موضوعة ترتبط بما تقدم, أرى أنها تحتاج فسحة من الخيال الشجاع يسمح فيه للرؤى أن تنطلق في رحاب الطبيعة التي ساهمت بعدّها عاملا أساسيا في التطور ومحددا لا يمكن إغفاله أبدا لأجده يقترب من منظري النمو التوليدي الذي يعتمد التفكيك والتركيب والكشف عن التفاعلات الداخلية للتواصل بين البشر والموجودات بعد أن أحدث عالم اللسانيات المفكر اليساري الأمريكي نعوم تشومسكي طفرة نوعية عندما ابرز عام 1952-1953م, كيفية تولد لغة من لغة أخرى عن طريق تغيرات صوتية وبالصورالتالية:- التوصيل.... التلقي ---- الاستجابة --- الواقع الجمال ---- التحول إلى واقع (صوت + موسيقى).
صفة جامعة اعترف فيها علماء اللغة, وبالرغم من التنوع الهائل في اللغة البشرية في جوانبها السطحية, إلا أن ثمة أسسا ثابتة موجودة في كل اللغات. ولكي توظف في صيغتها الجمالية التي استمرت عصوراً لتصل للحد الذي تبهر فيه موازية في دقتها وكمالها ما يحدث في الطبيعة التي استمدت منها بفعل العمل الخلاق. عند ذاك تكون لدى كل فنان طريقته الخاصة بما فيها الموسيقى, حيث نجد تميزا في فلسفتها على أساس المفارقات والتطرف كضرورة للتوازن كما يقول ادوارد سعيد عن دانيال بارنيويم في حديثه عن الموسيقار فاغنر الذي امتلك فهما عميقا أو غريزة (ربما خليط من الاثنين) حيال علم الصوت ولقد طورها على تلك المبادئ (مفهوم الوقت والمكان).
أتمنى أن لا اذهب بعيدا, الذي استوقفني, ارتباط تلك الموسيقى بالخط العربي في لحظة ما, وجدت صلة عجيبة بين الرسوم التي تجسدت بالخط الكوفي وعلى أنغام شهرزاد لتقف مندهشا..سكون وسكون تليها حركة سحرية لكثبان رمل ترسم أمواجاً تسحق بلطف تحت خف الإبل في صحراء مترامية الأطراف.
الخطاط حسن قاسم حبش يروي تلك الروعة بقوله: "إن الانتقال بالوعي إلى عالم الضياء أو عالم فيه أحلام اليقظة تأخذ مسارات متعددة خصوصا عندما انتقل مركز النشاط السياسي إلى العراق بعد تمصير الكوفة وبدأوا بتجويد الخط وتحسينه فكان الخط البصري والكوفي على ثلاثة ألوان (التذكار والتحرير والمصاحف)"*.
والذي يضاعف الإعجاب به ما يكتنفه من غموض وإبهام للذي يحاول قراءته. لكن ليس بعيدا عن بيئته التي خرج منها, حيث السيف والقوس والدرع وجناح الطير, فسح مسرة غير مسبوقة. هذه المسرات التي يصفها ناثان نوبلر تصل بفعل الاستجابة للون أو تلمس قطعة ناعمة من الرخام او النشوة التي يحس بها المرء وهو يقف وسط مبنى عظيم, تلك التأثيرات التي تقود إلى متعة الفرد الحسية وإثارة الخيال. لذا عندما تمتزج الموسيقى مع الخط الكوفي يذهبان بنا معا إلى عصور موغلة وكأنها تدعونا للدخول إليها حاملين مصابيح الزيت أو مشعلا تفوح منه رائحة البخور, ساورني هذا الشعور وأنا ادخل أول مرة في جوف الهرم الأصغر لمنقورع بدهليزه الذي جاوز المائة متر نحو العالم السفلي زحفا. هي لحظة الانبهار بعظمة الطبيعة ولغز عبقرية إنسان تلك الحضارة التي تقف أمامها مذهولا.
• ذكر أن الكوفي عرف قبل الإسلام وكان يستعمل في كتابة القضايا المهمة والتي يراعى في كتابتها التأني والدقة.. كالمخملي والمصحفي.
• أيضا هذه التسميات الملتصقة به لم تأت من فراغ بل كانت غايتها الوصول إلى واقعية التأمل بعدّها أيضا عملا اجتماعيا تعكس موقفا من علاقتها الانتمائية بالأرض والسماء وحفيف الشجر (ريح ،رعد ومطر) وبالتالي تحتاج إلى عناية كبيرة في رسمها. مرة أخرى عندما تعزف الموسيقى أجد تلك الحروف ترقص على أنغام آلة القانون تطلب مني مزيدا من الفهم تطلب الأمر الذهاب قرب محراب الفنان شاكر حسن آل سعيد خاصة بما يتعلق برسومه التخطيطية لحكايات ألف ليلة وليلة كمحاولة تمثل تعبيرا ملهما لجماعة البعد الواحد أو الحروفين جمعهم آل سعيد لخلق إضافة جديدة بجانب ما أنجز مع الخط العربي, والذي كان مسبوقا بما دونه دافنشي وماطرحه "فلس" و "هارنوك".
• طبعا كان جواد سليم يؤكد على استلهام وحدات التراث في القيم السومرية والبابلية والآشورية والاسلامية. من هنا نجد في كل حرف عشرات الإشارات ذات المغزى المركب على شكل طبقات تعطي الموسيقى حرية الانتقال والتعبير والتأمل. هذا الربط فيه مغزى رمزي دقيق. الخط كالأبنية الأسطورية (ادخلوها بسلام) مكونة جمعا يوحد العناصر التي تعطي العمل معناه ويكون بمستطاع المشاهد الذي يتطلع إلى العمل إدراك العناصر الفنية موحدة. هذا الخط يحمل قيمة صادقة, نحلق في سماواته نتنسم عبقاً يعيدك لتخلق منه الأنامل أجمل الأنغام من سحر الشرق بطقوسه وايواناته ومآذنه.
• مثلما يحلق طائر النورس نجد من يصف لوركا بانه:
"حين كانت تضيق به اللغة وتصبح سجنا أو حين يصل في الموسيقى أو المسرح إلى المنطقة معدومة الهواء يخرج إلى السطح كي يتنفس ويلون أنفاسه بألوانها الحارة".
لم يبق لي إلا أن اجمع أوراقي واعتذر كما يقول نزار قباني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر **
1 . لوركا شاعر يرسم.. جهاد هديب
2 . لوحة وأفكار.. شوكت الربيعي
3 . الخط الكوفي.. حسن قاسم حبش
4 . البنائية الانثرابولوجية الاجتماعية.. ادمون ليبين / ترجمة شوقي فهيم
5 . الأعمال الكاملة / المجلد الثالث / فريدريك أنجلز
6 . فهم السينما .. لؤي دي جانتي / ترجمة جعفر علي
|