| المتوازيات السردية في قصة "إغماض العينين" / عبد علي حسن |
|
|
|
| الثلاثاء, 21 شباط/فبراير 2012 20:07 |
|
أشار رومان ياكوبسن في كتابه المهم "قضايا الشعرية" إلى أن التوازي ليس شيئاً خاصاً باللغة الشعرية، إذ إن هناك أنماطاً من النثر الأدبي تتشكل وفق مبدأ المنسجم للتوازي، وفي الوقت الذي تكون فيه بنية الوزن هي التي تفرض بنية التوازي في القصيدة الشعرية، فإن الوحدات الدلالية ذات القدرة المختلفة هي التي تنتظم بالأساس البنيات المتوازية في النص النثري، وتؤثر المتجاورات من الوحدات السردية المتخذة وضعاً متوازياً على بناء الحبكة وعلى انسياب الثيمات السردية، وسنقوم فيما يلي بمحاولة رصد الوحدات السردية التي تنتظم البنية المتوازية في قصة "إغماض العينين" الصادرة عن دار أزمنة، عمان 2008 . تمكنت قراءتنا النقدية لقصة "إغماض العينين" من اكتشاف ثلاث وحدات سردية انتظمتها بنية التوازي، وقد شكلت هذه الوحدات مع ثلاث وحدات سردية أخرى في متن القصة، علاقة مجاورة كوّنت ثلاثة أزواج متوازية احتكمت إلى الثنائيات المتماثلة دلالياً. وعلى الرغم من إمكانية النظر إلى هذه الوحدات في علاقتها مع الوحدة المكونة معها ثنائية متماثلة، فإنها- الوحدات- قد احتفظت ببنيتها الدلالية والبنائية المؤثرة بشكل مستقل، غير أن بنية التوازي المتحققة قد أفادت كثيراً- بعد تحليلها وتأويلها- بوضع الحلول المفترضة من قبل القراءة للمشكلات السردية التي ضمّها المتن الحكائي، ووفق التتابع الكرونولوجي للسرد أمكننا رصد الوحدات السردية المتوازية بدءاً بالحدث المركزي وهو المسيرة اليومية لموظف تذاكر المستوصف (دون اسم) على دراجته مفضلاً إغماض عينيه "وواصل ضغط قدميه على دواستي الدراجة وهو يحس بنفسه مندفعاً في ظلمته الرمادية المحببة، ظلمة يشوبها ضوء مضبب بعيد... النص". ويمارس التصرف نفسه (إغماض عينيه) حتى بين زملائه في المستوصف الصحي، ليتواصل في الانسجام مع عالمه الداخلي المضبب الذي يوفره له إغماض عينيه الذي يُعدّ محاولة لصرف النظر عمّا دور حوله من وقائع حياتية من خلال (الظلمة الرمادية المحببة والضوء المضبب البعيد) حتى يبدو كل ذلك معادلاً موضوعياً لما يجري خارج هذه (الظلمة)، وتفتح هذه الوحدة السردية بنية العزلة والاكتفاء بالعالم الداخلي المضبب ذو الضوء البعيد، وتوازي هذه الوحدة السردية وحدة أخرى في المستوصف الصحي الذي يعمل فيه، فحينما يخفّ تجمع المراجعين في حدود منتصف النهار، يتجمع الموظفون على غير اتفاق في الصيدلية أو المختبر أو غرفة التمريض "يتناولون الأطعمة التي أحضروها معهم ويشربون الشاي وهم يتحدثون متنقلين بأريحية من موضوع إلى آخر... النص ص36". إلاّ أنه في المرات القليلة التي شاركهم فيها "لم يمنع رغبته في إغماض عينيه، كأنهما ليجس انسحاب الموضوعات من حوله بالسهولة التي ينسحب فيها العالم فيها كل صباح... النص ص36". لقد أفادت بنية توازي فعل إغماض العينين في الوحدة السردية الأولى وكذلك (انسحاب العالم من حوله). في الصباح عند ذهابه إلى محل عمله مع ذات الفعل في المستوصف الصحي مع زملائه من الموظفين في توكيد بنية العزلة والاكتفاء بالعالم الداخلي الذي يوفره فعل الإغماض، فالوحدتان السرديتان قد كررتا فعل الإغماض والانسحاب، وقد احتفى هذا التكرار تصوراً حول الشخصية لمعرفة مكنوناتها الداخلية أولاً وموقفه من العالم وما يدور فيه من وقائع ثانياً، ليوظف الضوء البعيد بديلاً لما يجري من أمور يعتقدها سطحية وغير مثمرة. كما يشير هذا الإغماض المتكرر إلى انقطاع الشخصية عن (العالم، المواضيع) وبالتالي قطع الصلة مع الموجودات أينما كان وأينما حل مؤكداً بنية العزلة التي يرغب بها ويحققها من خلال فعل إغماض عينيه. وفي الوحدة السردية الثانية تتصور الشخصية مجموعة من الأطفال وهم يلعبون في الساحة التي يشرف عليها شباك غرفته، وهي ساحة ترابية واسعة لا يمكن أن تكون غير ذلك (ساحة لعب كرة قدم للأولاد).. "ينظر، بعد أن يعود، من أعلى شباك غرفته عبر سياج المركز إلى الساحة الترابية الواسعة متصوراً ضجة الأولاد وهم يلعبون الكرة، لم ير أولاداً يلعبون من قبل، لكنه متأكد بأنهم لن يتركوا ساحة ترابية واسعة من دون أن يثبتوا عليها أهدافهم... النص ص37". وتكشف هذه الوحدة السردية عن توقف الشخصية وحنينها إلى عالم الطفولة عبر هذا التصور، فهو لم يشاهد أولاداً يلعبون، إلاّ أن تصور لعب الأولاد يحيل إلى عالمه الطفولي وتحديداً لعب الكرة، وينتج عن ذلك بنية الحنين وحب العالم الطفولي، وتجاورها الوحدة السردية التالية "رأى سيارة بيضاء تندفع متباطئة لتقف وسط الساحة... النص ص37"، وتشير هذه الجملة السردية إلى خلو الساحة من الأولاد وإشغالها من قبل السيارة البيضاء التي توقفت في الساحة ونزول سائقها، ثم نزول رجلين أحدهما معصوب العينين ليجلسه السائق على ركبتيه "ثم سحب أحد الرجلين مسدسه وأطلق ثلاث رصاصات متتاليات على رأس الرجل المعصوب العينين... النص ص37". لقد توضحت بنية التوازي بين هاتين الوحدتين عبر الإشارة إلى (الساحة الترابية) وتصور لعب الأولاد للكرة من قبل الشخصية والفعل الذي قام به الرجلان (توقف السيارة في الساحة الترابية وإنزال الرجل المعصوب العينين وإطلاق الرصاصات الثلاث على رأسه). لقد أنتجت بنية التوازي هذه بنية استهجان لفعل الرجلين من خلال التفريق بين تصور الشخصية لاستخدام الساحة الترابية كونها ساحة للعب الأولاد لكرة القدم، واستبدالها من قبل الرجلين بعدها ساحة إعدام للرجل المعصوب العينين. وفي الوحدة السردية الثالثة التي شكلت رد فعل الشخصية لفعل الرجلين، وقد توزع رد الفعل هذا على جملتين الأولى حين أجلس أحد الرجلين الرجل المعصوب العينين على ركبتيه "في تلك اللحظة أحسّ قاطع تذاكر المركز الصحي بحرارة كوب الشاي، وضعه على الطاولة وسحب يده مستغرباً لارتجافها وعاود النظر... النص ص37"، والثانية بعد إتمام عملية إعدام الرجل "في عودته أغمض قاطع التذاكر عينية، خلافاً لعادته وقد خف تزاحم السيارات من حوله، واستمر ضغط قدميه على دواستي دراجته، لم يحس بنفسه يندفع في ظلمته الرمادية، ولم يسأل عن ضوئه المضبب البعيد، في إغماضته كانت اليد ترتد مع كل أطلاقة، وكان الرأس ينتفض... النص ص38"، فمن خلال هاتين الوحدتين تتجنب بنية التوازي إغماض العينين والعصبة الموضوعة على عيني الرجل الذي أعدم في الساحة، بنية الموت بالنسبة لقاطع التذاكر، فقد أحست الشخصية بأنه يتعرض إلى فعل الإعدام عبر توازي الإغماض وتعصيبة العينين، فعلى الرغم من محاولته عبر فعل الإغماض لتناسي أو إلغاء الوقائع التي جرت أمامه في الساحة الترابية فإن السارد قد حوّل فعل الإغماض إلى عملية إعدام، وبالتالي فإن العزلة التي كان يفرضها قاطع التذاكر على نفسه من خلال انسحاب العالم والوقائع إلى ظلمته الرمادية وضوئه المضبب البعيد لم تكن إلاّ موت بالنسبة له، أو يمكن الإشارة إلى أن بنية المتوازيات السردية الآنفة قد حققت بنية المشابهة أو المماثلة السردية في الأفعال المتحققة وكما يلي: 1. إغماض العينين من قبل قاطع التذاكر في ذهابه وانسحاب العالم في الشارع وهو على دراجته / إغماض العينين في المركز الصحي مع زملائه وانسحاب الموضوعات التي يتحدث بها الموظفون. 2. ساحة لعب الأولاد / ساحة لإعدام الرجل معصوب العينين. 3. إغماض العينين في عودته / إطلاق الرصاصات الثلاث على رأس الرجل معصوب العينين. ويلاحظ أن كل ثنائية من المتوازيات المشار إليها آنفاً قد ساهمت في تكثيف السرد وصولاً إلى مغزى النص السردي الذي أنتجته البنية المتوازية الأخيرة. |