عطش الأنهار / عقيل عبدالخالق القيسي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 19 شباط/فبراير 2012 20:52

 alt
"ان سر الخليقة حيّر الفكر الإنساني، ناهيك عن سرّ الأفذاذ النوادر"
الشاعر الكبير
محمد مهدي الجواهري

في جوٍ حليمٍ هادئ متبصر، وفي ليل زادتْ ساعاته، كنتُ أبحثُ عن أنيس أحاوره، فلم أجد غير روحي. في تلك اللحظات خطر في ذاكرتي ذلك الفيلسوف الذي كان يحمل فانوساً في وضح النهار ويتجول في الطرقات! فتعجب الناس من أمره وسألوه: لماذا تحمل فانوساً والشمس مشرقة؟ فأجابهم: أبحث عن الإنسان وأبحث عن الحقيقة!! فضحك الناس عليه وأتهموه بالجنون، وهنا نتساءل من هو المجنون؟ هل صاحب الفانوس، أم الناس، الذين ضحكوا عليه هم المجانين؟!
أردت من هذه المقدمة ان تكون مفتاحاً للموضوع قيد البحث لأجل تحديد الهدف والمنحى وتسليط الضوء على تساؤل حيرَّ الجميع: لماذا كان المبدعون من الحكماء والفلاسفة والشعراء والمفكرين يعانون في حياتهم ولم يحصدوا من الحياة غير الألم والمعاناة والآهات؟ وهذا ما لمسناه وما زلنا من خلال قراءة سيرتهم الذاتية وأخبارهم وكتاباتهم والتي هي ترجمة حقيقية وصادقة لمشاعرهم وأفكارهم وما يفيض به وجدانهم. هل لأنهم كانوا لا يريدون التمتع بالحياة وملذاتها؟ أم لأنهم كانوا يشعرون بأنهم أرفع من غيرهم وأرجح عقلاً؟ أم انهم عاشوا في زمانٍ غير زمانهم؟ هل لأنهم كانوا على حقٍ وكان الآخرون على العكس؟ أم ان السبب في عذاباتهم ومعاناتهم ان لهم عقولاً وبصائر وأفكار تتقاطع مع الآخرين؟ هل كانوا يبحثون عن حلمِ هاربٍ؟ لقد كان دهرهم قاسياً على قلوبهم ونفوسهم الحساسة، مما اضطرهم أحياناً على المداراة وقبول العيش بين الأعداء والاضطرار الى مداراتهم، وهذا ما نلمسه في قول المتنبي:
ومن نكدِ الدنيا على المرءِ أن يرى... عدواً لهُ ما مِن صداقتهِ بُدُ
لقد كان إحساسهم بالغربة قوياً، غربة روحية ربما سببها خيبتهم في الانسجام مع الآخرين ومع الواقع، فكانوا يعيشون بين واقعٍ مؤلمٍ مرير وحلمٍ بعيدٍ شاردٍ. وهذا شاعر العرب طيب الذكر والسيرة، الجواهري، كان يستقبل الأرق بالترحيبِ ويفرشُ لهُ حدقات العيونِ حيث يقولُ:
مرحباً.. أيها الأرقُ
فُرِشتْ أنساً لك الحدَقُ
ويقول أيضاً: يا نديمي ان الذكاءَ عناء.. في محيطٍ يدّللُ الأغبياءُ
ويقول: وبكى الزهرُ أن يرى تيجاناً.. لرؤوسٍ محشوةٍ بفسادِ
وما هو سر حنين بدر شاكر السياب الى الموت؟ هل لأن الموت جسرٌ يعبرُ اليه الى عالم السعادة المطلقة؟ وهل ان راحته تكمن في أعماق الأرض.. ولماذا كان يعتقد ان موته انتصار؟ حين يقول:
أود لو غرقت في دمي الى القرار
لأحمل العبء مع البشر
وابعث الحياة.. ان موتي انتصار
وذلك أبو علاء المعري شاعر الحكمة الذي طلق الدنيا يقول:
تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبُ..
الا من راغبٍ في ازديادِ
وفي مرةٍ اوصى ان يكتب على قبرهِ:
هذا ما جناه أبي عليَّ..
وما جنيتُ على أحد
والشاعر العظيم المتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس والذي نام ملءَ جفونه وما زال الناس في حوارات ونقاشات وجدل بشأنه، والذي كان شعره سمفونيات تعزف نغماً وتفيض دروساً في الحياة كما تفيض الأنهار متألماً رافضاً لواقع كان يعيشه:
كفى بك داءً ان ترى الموت شافيا..
وحسب المنايا ان يكن أمانيا
ويقول أيضا:
أظمتني الدنيا فلّما جئتُها..
مستسقياً، مطرتْ عليَّ مصائباً
وفي مرة استمعت الى الشاعر الكبير مظفر النواب فهزني بيت في قصيدة: "خبزه وستكيِّن چاي وراحة بال تكفينه".
اذاً الكل كان يبحث عن راحة (البال)! فأين هي راحة البال؟، واين تُباع؟، وفي أي زمان ومكان؟، وعند أي عطّار؟.
هذا على مستوى المبدعين والمفكرين، لكن اذا عرجنا على الواقع الاجتماعي بدقةٍ ودراسةٍ فسوف نلاحظ ان غالبية الناس العقلاء الذين ادبتهم الحياة فأنهم أحياناً يتقاطعون مع مجتمعهم، وكلما مرّ بهم الزمن ازدادوا عزلة، ليس ترفعاً على الناس والمجتمع ولكن عندما تسألهم عن السبب يأتيك الجواب بأنهم يبحثون عن راحة البال!!
المصلحون والأنبياء لماذا حوربوا وبشتى الوسائل والأساليب.. وها هو الجواهري يقول عن معاناتهم:
واذا شئت فسلّ الأنبياء!..
تجدّنهم أضاحياً أبرياء
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ما تقدم: لماذا يتعذب الناس الخيرون والحكماء واصحاب العقول والمفكرون؟ وهل اصبح العقل ونَفَسُ الخير نقمة على صاحبه؟.
هل لأنهم عاشوا سلسلة من الأزماتِ والاخفاقات وان الرياح كانت تجري بما لا تشتهي سفُنُهم؟ ولماذا كانوا يبارزون بسيف الفارس رافضين الواقع؟ اذاً ما هو السر الدفين الكامن وراء اولئك العمالقة الذين خلدهم التأريخ والذين كانوا أصحاب قضية وأصحاب رسالة وهدف وان كل عبقري خلاق صاحب قضية وهدف. نعم لقد كان لهم دوي مجلجل ونفاذ مباشر الى النفوس والعقول.. عاشوا في عصورٍ اختلفت فيها الأهواء وتعددت المشارب وتناظرت الأفكار واشتد الصراع بينها، بين الخير والشر، ولم يقفوا وقفة المتفرج او المحلق في سماء النظريات، بل رموا بأنفسهم في كل معترك.. وضربوا على وتر ناعم ليخرج ذلك النغم الجميل فيداعب العقول والقلوب والضمائر.. لقد عاشوا أزمات زمانهم ونقلوها في اطار جميل ممزوج بالعذاب والمعاناة. لقد ملأوا حياتنا حلاوة وحكمة، حين حولوا افكارهم الى مشاعر متدفقة. وهذه الافكار هي التي اكسبتهم القيمة الفنية والجمالية والتااريخية على مر العصور.
يقول المتنبي: ينالُ الفتى من دهرهِ وهو جاهلُ.. ويكدى الفتى من دهرهِ وهو عالمُ
وها هو الدكتور الشاعر محمد حسين ال ياسين يقول: أنا من آهٍ ودمعٍ جُبلتُ، لماذا هذا الاحساس بالأسى العميق؟ ولماذا هذه الآهات.. ولماذا هذه الغربة.. ولماذا أصبحت المنايا امانيا؟ كما يقول المتنبي.. هل لأنهم جبلوا هكذا كما يقول د. محمد حسين آل ياسين أم هناك اسباب أخرى؟ العدل والمنطق يقول لابد ان يحاط هؤلاء العباقرة والحكماء والمفكرون بهالة من التبجيل لأنهم نطقوا بالحكمة ووضعوها في غناء جميل، وهذا هو سر خلودهم.. لكن الواقع غير ذلك، انهم كالأنهار العذبة المتدفقة لكنهم يشكون الظمأ!! اسئلة كثيرة المفروض ان نسمع لها أجوبة من الاختصاصيين في علم الاجتماع الأدبي الذي يتناول صلة التعبير الفني بالشخصية والبنية الاجتماعية.