الفعل اللغوي ومستوى الابداع في "حوارات الصمت" / ساطع محمود الجميلي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 19 شباط/فبراير 2012 20:44

alt

يمكن للغة ان تكون قادرة على تحمل وزر العناصر الفاعلة للدخول الى صالة البهاء والكمال للقصيدة الشعرية ، وان تساهم اسهاما فعليا لتأسيس موضوعة الشكل الفني للقصيدة.
علاوة على ذلك ان كل قصيدة هي بحد ذاتها صورة فالاتجاهات تأتي وتذهب والاسلوب يتغير كما يتغير نمط الوزن ،حتى ان الموضوع الجوهري يمكن ان يتغير بدون ادراك ،ولكن المجاز باق كمبدأ للحياة في القصيدة ،وعلى المتلقي ان يدرك الاحساس النفسي للشاعر المرتبط بالادراك الحسي لتجليات الشاعر التصويرية .
الشاعرة هدى محمد حمزة شاعرة حلية بابلية تمتلك روحا بمستوى الشعور الانساني ، لها حضور فاعل في مجال منظمات المجتمع المدني وميادينه كمنظمة حقوق الانسان ورابطة المرأة ومشاريع محو الامية ،اصدرت الشاعرة مؤخرا مجموعة شعرية عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق بعنوان "حوارات الصمت" من ثمان وثلاثين قصيدة راجعتها لمرتين فكانت لي القراءة الاتية.
تكتب الشاعرة بطريقة الأنا الحاضرة على الدوام المنفعلة نوعا نتيجة التزام المشكل الوطني والاجتماعي والصراع الانساني على العموم . لذا صارت الأنا الذاتية مسخرة لإطلاق قضايا المشكل الجمعي حيث ان الشاعرة تعي المأساة اي مأساة الانسان وبوعيها هذا تكون داعية الى التحرر الى ان تصبح الحياة واجبا مقدسا لاسبيل الى القلق واليأس ، ففي قصيدة رسالة الى ولدي/ ص 16هناك رسالة اخرى في المتن الى الانسان وحتمية صموده ضد مظاهر التردي :
كنا وكان الشوق ارضنا
وسماءنا
شهد ودواء للعليل
وتقول ايضا:
نحن حفرنا يا بني عهد الهوى
في قلوبنا
وحلفنا بالتين والزيتون مع سمارنا
انهلتكم لبنا ً
من بين فرث ودم
كماء فراتنا
فلن اعطي للسيف ما عشنا
ابدا اعناقنا
في قصيدة غاية البراكين يحضر كثيرا عنصر المفارقة ويتخذ من مقدمة القصيدة منطلقا له نحو المتن المقتضب، ففي ص 14 تقول الشاعرة هدى محمد حمزة :
اكتب حينما لا اكتب
ابكي حينما اغني
اتكلم حينما اصمت
والقصيدة كوحدة شكلية صورة شعرية غير مختزلة , الوقع فيها يكمن بإجماع الانسجام الداخلي للمفردات .
قصيدة الوفاء رسالة ود صادقة بلغتها الذاتية المباشرة تكاد تخلو من فنية الصورة وان اجتمعت كل الاسطر لكن هواجس الحس تناصر القصيدة وتعطيها بعداً انسانياً
فهي تقول في ص 25:
فجرت فيّ كل الوفاء
فكيف لا اكتب لك؟
فجرت فيّ كل الحنين
فكيف لا اشدو لك ؟
فجرت فيّ كل ينابيع لبكاء
فكيف لا امطر لك ؟
في نفس وروح الشاعرة هدى محمد حمزة تنبثق ارادة ثورة خالصة ذات بعد انساني يعي تماما لآلام الطبقات الفقيرة وما تعاني من ظلم وجور اجتماعي يتمخض عن الصراع الطبقي ومأساة الانسان من المطالبة بما يمكن ان تجسده الارادة الانسانية في وجه القدر، حيث ان كارل ماركس اشار الى "ان الحرية هي في ما هية الانسان ، الى حد ان خصومي انفسهم يحققونها ولو انهم يحاربونها في الواقع ، انهم يريدون الاستئثار بها كأنفس حلية بعد ان طرحوها كحلية في الطبيعة الانسانية".
فالشاعرة هدى محمد حمزة وغيرها من المخلصين لقضية الانسان ومن تبنوا في شعرهم النظرة الحية المخلصة للارادة الشعبية ، فهي تقول في ص 56 قصيدة رسالة الى ناظم حكمت ولوركا:
قتلوا اغنية الحرية على المسارح
واحرقوا السلام
على رفوف نيرودا
ليس هناك فرق
فانت في زنزاناتهم
وانا في رحاب العالم المقهور
الشاعرة هدى محمد حمزة تكتب بلغة بالغة السعة والمساحة بحيث تطغى على المضمون في أحايين كثيرة ما يعكس امتلاك الشاعرة العمق التأملي التصوري باللغة مما يتجاوز احيانا الشأن الفني ،وللشاعرة هموم لا تعد ولاتحصى على الصعيد التساؤلي والاستبصاري وافكار الشاعرة وظائف نقلت الكثير من هموم الشاعرة الى عالم التبليغ والاسماع فعنوان بعض القصائد يجيء سهلا جدا مثل قصيدة "لو" يتحول الى تساؤل فلسفي يفضي الى اخراج الحرية كهم انساني ليس او لا يقدر بثمن فهي تقول في قصيدة لو ص 98 :
لو تمكنت من ايقاف
عجلة الكون
لحظات
كي اتعلق بها
وامسح الصدأ
لو فهم العارفون
معنى الحرية
ألمها وثمنها
لشيدوا للحرية قلاعاً في السماء
والبسوها ثوب عرس دائم ...
اخيرا فان تجربة الشاعرة هدى محمد حمزة لها خصوصيتها اللغوية المفتوحة على زخم الافكار المتوالية والتصور الباذخ الدائم الولوج الى حضرة الشاعرة التي ما انفكت تتغنى وتبشر بعالم تسوده الحرية والعدالة .