|
الأحد, 19 شباط/فبراير 2012 19:43 |
|
جدل أحزانٍ عراقيةٍ بالأسود، وتدرجات لونية لآمالٍ نحوالأبيض
"حتى وقتٍ قريب استخدمتُ التلوين الزيتي. والآن استخدمت اللون الأبيض والأسود، وبينهما التدرج اللانهائي للرصاصي، ولكنني مع ذلك أرى كل ألوان العالم".
بهذه الفصاحة الفنية بالمعاني التكنيكية والجمالية. وبهذه الكلمات المشكلة، يلخص الفنان المبدع رسمي الخفاجي سمة اساسية من سمات لوحاته الجديدة في معرضه الشخصي التاسع الذي افتتح في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني / يناير الماضي، واستمر حتى الرابع عشر من شهر شباط / فبرايو الجاري. وذلك في غالري "إماجيناريا" في مدينة الفن فلورنسا وغالري "كوادرو 0,96 “ في مدينة "فييزولا" الإيطاليتين في آنٍ واحد. وضم المعرض العديد من اللوحات التشكيلية المائية، بأحجامٍ مختلفةٍ، بين الصغيرة والمتوسطة وكبيرة الحجم إلى جانب أعمال ثلاثية الأبعاد.
ومن عادة رسمي أن يفاجيء متابعيه دوما بما هو جديد في اعادة ترتيب عناصر لوحاته، أو ابتكار عناصر جديدة تدخل بعلاقاتٍ جدلية، في ما بينها ومع تلك القديمة لتخلق عوالم محدثة. وربما يعود السبب في ذلك لرهافة حسه في تفاعلاته مع التطورات وبشكلٍ خاص تلك التي تدور في موطن ولادته ونشأته العراق وفي مدينته الجنوبية، الديوانية. إلى جانب طبعا ميله للتغيير، وتوقه دائما لخلق أدوات جديدة تميزه وتضع بين يديه عناصر فنية وجمالية مميزة. وهو يستمد هذه العناصر والتغيرات قطعا من تفاعلاته مع الواقع الذي يعيشه حيث تتداخل الصور وتنبثق الذكريات التي تحفزها أنباء وأحداث بلاده المضام ، العراق، اليومية منذ أن أضطر لمغادرته والرحال لايطاليا العام 1977.
تدرجات يتسع مداها وكأنها الفضاء برحابته، تتوسط الأبيض والأسود .... تفصح عن حركة متقصدة لفرشاة الفنان، وهي تشير إلى تصميمه على تأكيد وضوح نواياه من خلال وضعها خطوطاً لونية ورموزاً ناطقة بالحركة وهي تفترش سطوح ورق الفابريانو الخاص والأنيق.
وبهذه الخطوط وبإضافة عناصر جديدة للوحاته كاستخدام مادة الاسفنج وحفر أشعارٍ بحروفٍ عربية، استعرض رسمي شريطاً وقصصاً من مسارات حياته وتجاربه في الغربة ومعها. وبدا وكأن زياراته الأخيرة لبلاده الأم بعد غيابٍ امتد لأكثر من ثلاثين عاما من عمره، كان لها الأثر في تحديد أبعاد وصور وشخوص لوحات وأعمال معرضه هذا.
لقد طرح الفنان على نفسه تساؤلات عميقة المعاني بعد مسيرة العمر الطويلة، وبعد حرمانه من العيش في عش حياته الأصيل، مكان ولادته ونشأته: فهل ماحصل ويحصل الآن في العراق هو خلاصات تضحيات قدمها هو وشعبه طيلة سنواتٍ عجاف؟. أهذا هو ثمن الغربة التي دفع هو وآخرون بالآلاف، من أقرانه ثمنا باهضاَ لها وما يزالون؟.
هذه وغيرها من التساؤلات بقيت مركونة في ذهنه تتفاعل يومياً مع تفصيلات حياته في مدينته الثانية فلورنسا الإيطالية. ولكنها اختمرت وتفجرت صوراً وتشكيلات فنية صارخة تناجي العالم عبر التلاحم بين الأسود الحزين والأبيض المستبشر بالسلام ومستقبلٍ أفضل على الأرض. وخلق رسمي لتطلعاته هذه ولشدة معاناته رموزاً: طيرُ يتميز بهيكله ولونه. أشجارٌ السرو تتقلد امرأة، أو نساءً تتمظهر بهياكل أشجارٍ متحركة، صارت عنصراً من عناصر أعمال رسمي منذ سنوات. الرمانٌ وهو الرمز للخصب والحياة والخلود.
ولم يتوقف رسمي عند حدود التشكيل بل صار ومنذ زمن ليس بالبعيد، يعمد لفن الفيديو مستلهما موضوعات تشكيله، بالإبداع في ميدان آخر من ميادين الفن البصري. وشارك قبلا بمعارض للفيديوآرت، وكان آخرها مشاركته في بينالة فيرونا شمال إيطاليا قبل أربعة أشهرٍ فقط على افتتاح معرضه الجديد ( أناشيد أندلسية ) الذي ضم فلمين للفيديو أنجزهما خلال السنتين الماضيتين.
وهنا جسد الفنان العراقي رسمي منهجا ابداعياً بامتياز، حين عالج موضوعات الفيديو بأدوات التشكيل، ووظف جوانب من تقنيات الفيديو بنفس الوقت في إغناء نهجه التشكيلي. وربما، أقول ربما، كان هذا سببا من أسباب لجوئه لهذا التلوين بتدرجاته الرصاصية نحو الأبيض، وكأنها تقنية سينمائية.
أناشيد رسمي كاظم الأندلسية تتغنى وترتقي بأماكن وباحات العالمين المترابطين، عالمي حضاراتٍ لها عمق التاريخ بدءً من بلاد ما بين النهرين وعبر الأندلس لتتفتح على حضارات العوالم الأخرى. وهي ميزة أخرى يوثقها هنا رسمي، ميزة الأنسانوية الشاملة.
التناقض بين الأسود والأبيض يظهر جمالية الحياة عبر التدرج والتداخل اللونيين. وكأن رسمي اراد القول بأن الحقائق نسبية والتأريخ يتفتح على آفاق أرحب مستمدا من التأريخ قوته وغناه. وكأن به يعيدنا للمفهوم الفلسفي الكوني، بأن جمالية الحياة تتمثل تماماً بوحدة اضدادها.
إن معرض الفنان العراقي المجد رسمي كاظم الخفاجي إضافة نوعية لمسيرته الفنية، بل وأستطيع القول أنه إغناء للفن التشكيلي العراقي، في مرحلة تتعزز فيها رغم العوائق الكثيرة، أواصر التلاقح او التلاقي بين فناني الغربة والمهجر وأقرانهم والأجيال اللاحقة في الداخل، بعد القطع الذي دام لعشرات السنين بسبب القمع والدمار. كما قدَم رسمي الخفاجي في معرضه هذا، انموذجا بل وتأكيداً لحقيقة أن المواصلة والمواظبة في الفن تسمح للفنان بدراسة أبعاد فنه وأدواته ومقارنتها زمانياً ومكانياً. وهذا بحدِ ذاته يفتح آفاق تعمق في الوسائل والاساليب وتسهم بتطوير الأدوات، وهنا سوف لن ينحصر التطوير عند حدود الفنان لوحده، بل ستخلق بدورها سبباً وعامل تحفيزٍ لنهوض الفن بشكلٍ عام، خاصة وأن أحد أبرز اهتمامات، أو مهام الفنان العراقي حاليا هو تعزيز، بعد توسيع، العلاقة والتواصل مع مسيرة زملائه فناني الداخل.
لوحات رسمي إذاً، غنية برموزها، غزيرة بطرح أدواتها الفنية ومعانيها الحياتية، وهي تحتاج لأكثر من مجرد زيارة أو القاء نظرة، وتقدم مادة لتفعيل العقل والخروج من تقوقعات الذات نحو أبعاد ارحب ونحو آفاق اوسع من مجرد تفاصيل معاناتة فردية، أو توصيفات لجوانب حياتية أو لاستذكارات تقف عند حدود الذكرى.
هي دعوة حقيقية لإعادة التقييم على مستوى الذات والموضوع، وربما هي فرصة أخرى للتفكير مجددا بمعاني الحياة وسبل البحث عن مخارح أفضل لإغنائها وبناء ما هو أفضل لإنساننا العراقي المتطلع نحو انسانيته الحقة، التي حاولت غمطها وتشويهها كل اشكال القمع والكبت والوصاية والتهميش، السائدة هذه الايام في مجتمعنا. إنها صرخة تضاف لصرخات ابناء شعبنا في الإنعتاق نحو بقع نور اشد ضياءً.
|