فيسلافا شمبورسكا الفائزة بجائزة نوبل للأدب 1996 معظم قرائي من الشباب / نجم خطاوي PDF طباعة أرسل إلى صديق
السبت, 04 شباط/فبراير 2012 09:39

alt

فجعت الأوساط الأدبية في بولونيا، والعالم مساء الأربعاء الأول من شباط الحالي 2012، برحيل الشاعرة البولونية فيسلافا شمبورسكا. وبرحيلها خسرت الأوسط الأدبية واحدة من الأصوات الشعرية التي ظل صوتها يصدح عاليا في بلدها بولونيا، وفي العالم.
في 22 تشرين الأول 1996، كنت قد نشرت مقالا عن الشاعرة بمناسبة نيلها جائزة نوبل للأدب، ونشرته في صحيفة القدس العربية الصادرة في لندن. أعيد نشر الموضوع، لقناعتي بفائدته للقارئ العزيز.
كان يوم الخميس الثالث من تشرين الأول 1996 ساخنا ليس فقط في ستوكهولم العاصمة السويدية، حيث مبنى الأكاديمية الملكية السويدية، بل في العديد من العواصم الأوربية والعالمية، حيث يتوزع شعراء العالم، وكتابه، ومبدعوه. الجميع في انتظار اسم ذلك الذي سيحط الهدهد على رأسه هذا العام. ولم يطل الوقت وخطفت الجائزة، البولندية العجوز فيسلافا شمبورسكا بشعرها الذي ((يكشف في سياق تاريخي وبسخرية دقيقه الحقيقة الانسانية المشتتة)). كما عبرت الأكاديمية السويدية في قرار منحها الجائزة. وبحصول هذه الشاعرة على جائزة نوبل للأدب هذا العام تكون جميع التكهنات قد خف وهجها، تلك التي رشحت آخرين لنيل الحائزة على الأقل بالنسبة لهذا العام وحتى قدوم العام القادم.
هنا في العاصمة السويدية كانت الأنظار متجهة هذا العام نحو الشاعر السويدي توماس ترانسترومر، ولكن الحظ لم يحالفه وسيكون عليه الانتظار عاما أخر، فلعله سينالها، هو أو زميله الروائي الدنمركي فيلي سورنسن. كما أن العديد من الأوساط الأدبية في العالم كانت قد رشحت الشاعر البرتغالي جوزيه ساراماو لنيل الجائزة، بحجة كون الجائزة لم تكن ولا حتى لمرة واحدة من نصيب اولئك الذين يكتبون باللغة البرتغالية.
تقول شيمبورسكا في احدى قصائدها:
(( إن وجدت ملائكة
فلعلها لن تقرأ
قصصنا
عن الأماني المضللة
ولا أيضا قصائدنا
خائفة أنا،
وكلماتي قاسية
عن هذا العالم)).
ان العديد من قصائدها، والتي قرأناها بالسويدية للأسف اذ لا توجد لديها اعمال مترجمة للغة العربية، حسب علمنا، تكشف عن سخرية ومرارة، عن كل تلك الفواجع التي مرت على بلدها بولونيا أثناء الحروب والويلات أيام الحرب العالمية الثانية، وعن محنة الانسان في بلدها خاصة وفي العالم بشكل عام في بحثه اللانهائي عن عالم تتحقق فيه أحلامه، معبرة في قصائدها عن ثقة كبيرة بانتصار ارادة الخير في نهاية المطاف. الناس في السويد لم يتعرفوا على شعرها قبل أن تنال الجائزة، ولعل وسطا محدودا من عشاق الأدب في السويد كان قد تصفح المجموعتين الشعريتين المترجمتين الى اللغة السويدية (من المستحيل مرتين، ايتوبيا)، ولكن الاهتمام بها قد تزايد في السنوات الأخيرة وكانت هي نفسها قد قرأت بعضا من قصائدها وسط المنتديات الأدبية في العاصمة السويدية، أثناء زيارتها لها قبل سنوات.
صحيفة (أخبار اليوم) اليومية السويدية نشرت لها بعد يوم من منحها الجائزة قصيدة تصف فيها مظاهر جائزة نوبل وطقوسها، وبوابة الاكاديمية السويدية، والساعة التي يخرج فيها الرسول ليعلن منح الجائزة.
يمكن القول ان الشاعرة قد بهرتها الجائزة وألهبت حماسها لتكتب قصيدتها، أو لعلها قد تهيأت لها، والعياذ بالله من الظن.
تبلغ شمبورسكا 73 عاما، وكانت قد ولدت عام 1923 في مدينة كورنيك البولونية القريبة من مدينة بوزنان الواقعة الى الغرب من بولونيا. ولم تكن تبلغ الثامنة من عمرها حين ارتحلت عائلتها الى مدينة كراكوف، والتي تعيش فيها منذ ذلك الزمن والى الآن. درست السوسيولوجيا والأدب البولوني في جامعة ياكلونيسا. في عام 1948 كانت قد اعدت للطبع أول مجموعة شعرية لها، وكانت أول قصيدة تنشرها في الصحافة عام 1945، حين كان عمرها يومها 22 عاما.
ومنذ عام 1957 بدأ النقاد والمهتمون بالأدب يعاملونها كواحدة من ادباء بولندة.
اهتمت فيسلافا شمبورسكا، ومنذ البداية بكتابة الشعر رغم اهتماماتها المتنوعة، وبالخصوص في كتابة القصة القصيرة، ولها في هذا الجانب الكثير من التجارب والتي ارادت بها التقريب بين عالم القصة والشعر او محاولتها خلق فضاءات ذات مناخ اجتماعي تمتزج مع اللحظة الشعرية، ولا اعلم الى اي مدى قد نجحت في محاولاتها هذه وما هو رأي نقاد الأدب في بولونيا أو العالم في هذه التجربة الأدبية!!
يذكر ان الشاعرة قد كتبت بعض القصص القصيرة في شبابها، ولم تنشرها حتى يومنا هذا.
لم تبحث شمبورسكا في قضية كتابة النثر الأدبي أو الدراما بل على العكس فقد عملت وبمواظبة كمترجمة أدبية على ترجمة عشرات القصائد عن الفرنسية التي تتقنها، الى لغتها الأم البولونية، كما أن لها الكثير من المساهمات في الثقافة والأدب في بولونيا، وهي مهتمة الى جانب الشعر بمواضيع تخص الحيوان، التأريخ، علم النفس، الرسم، الموسيقي، المزاج النسائي، وغيرها.
يقول أحد نقاد الأدب هنا في السويد في مقالة نشرها، بأنه يمكن اعتبار شمبورسكا من الأدباء الشعبيين. لعل المهتمين بالشعر والأدب البولوني، سيزودون قارئ العربية، في المستقيل بالكثير من المعلومات عن هذه الشاعرة، وعن نتاجها الشعري، ومدى شعبيتها وسط المحافل الأدبية في بولونيا.
ولعلي لن أخطئ الظن حين اشير بذلك الى الشاعر العراقي هاتف الجنابي الذي له هذه المقدرة، واهتمامه بالأدب البولوني، حيث يقيم هناك لسنوات طويلة.
في المقابلة التي اجريت معها بعد ساعات من حصولها على جائزة نوبل للأدب لهذا العام قالت الشاعرة:
- أنا على اعتاب الموت. ان الذهاب للرد على التلفون يكلفني السير على قوائمي الأربع.
وحين سألها محرر الصحيفة، عن اولئك الذين يقرؤون أدبها أجابت باطمئنان:
- قرائي متنوعون، الشبيبة يقرؤون ما أكنب وكذلك الكبار ولكن أكثر قرائي من الشباب.
وبإعلان ستور ألين سكرتير لجنة الأكاديمية الملكية السويدية عن نيل سزيمبوركا الجائزة، تكون بولندا قد فازت بها نحو أربع مرات. وسنظل نحن نرقب العام القادم منتظرين صاحب الحظ الذي سيعود الهدهد ليحط على رأسه، ولعله يكون من شرقنا، صاحب الحضارات، والذي يحاول البعض أن يبعده عن ان يكون كما كان مركزا للإشعاع الثقافي، والحضاري.
سنظل نتذكر تلك المرأة الشاعرة، التي جاوزت السبعين، والتي أدارت أنظار العالم صوب الأدب البولندي، والتي أغنت المكتبة الأدبية بستة عشر مجموعة شعرية، ستظل شاهدة على انها كانت قوية الإرادة، وعلى انها منحتنا من ارادتها تلك وعبر الشعر جميل. لم يبق لنا سوى أن نردد معها مقاطع من كلمات قصيدتها:
((كان يمكن أن يحدث هذا
كان من الضروري أن يحدث هذا
إن هذا حدث سابقا، لاحقا
قريبا، بعيدا
إن هذا حدث ولكن لم يحدث
معك.
لقد فزعت
لأنك كنت البادئ
لقد فزعت
لأنك كنت
الأخير)).